عملًا أن يتقنه»، ويقول تعالى: {وقُل اعملُوا فسيرى اللهُ عملكُم ورسولهُ والمؤمنونَ وستردونَ إلى عالمِ الغيبِ والشهادة فينبكُم بما كنتُم تعملُونَ} (48) . والمسلم مأمورٌ بأحكام صنعته: {أنِ اعمَل سابغات وقدِّر فِي السَّرد واعملُوا صالحًا إنّي بما تعملُون بصيرٌ} (49) . ويقول المفسرون هنا: إن قدر في السرد تعني: «أحكم صنعتَك» ، وصنعة ضابط الأمن والمخابرات تتطلب الصبر والأناة: {يا أيها الّذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقٌوا اللّه لعلكُم تُفلحونَ} (50) . كما أن على رجل الأمن تعلُم المهارات، مثل الرماية، وكذا الحرف المتعلقة بتخصصه، مثل: التصوير وقراءة الصور الجوية، وتحليل وتقويم المعلومات، والشفرة، والمراقبة، وغيرها من علوم الأمن والمخابرات. وتعلم اللغات الأجنبية من الضرورات لرجل الأمن، لأنها تمكنه من التعلم والاستماع والاتصال بالآخرين، كما تمكنه من الإطلاع على الوثائق الخطيرة دون الاستعانة بمترجمين. وتعلم اللغات الأجنبية من سنن الإسلام التي حض عليها- خاصة لغة العدو- فلقد أمر - صلى الله عليه وسلم - كاتبه زيد بن ثابت بإجادة السريانية، قال زيد: «أمرني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فتعلمتُ له كتاب يهودي بالسريانية. وقال: إني والله ما آمنُ يهودًا على كتابي» .
الأمانة:
رجل الأمن مسؤولٌ عن صَوْنِ حقوق الناس وأمنهم، وحراسة الأعمال المعلومات والمنشآت من الإهمال والتفريط، وهو، لذلك، مزود بإمكانات لا تتوفر للمواطن العادي، من سلاح ومعدات وسلطات. ويجب ألا تُفْتِنَ رجل الأمن هذه الامكانات والسلطات، وإلا تحمله على ابتزاز الناس والاستهتار بهم، بل يجب عليه أن يكون أمينًا يشعر بتبعة كل أمر يوكل إليه، وأنه مسؤول عنه أمام ربه، يقول - صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤولُ عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤولٌ عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤولٌ عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعيةً وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤولٌ عن رعيته» .
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة يلقب بين قومه بالأمين، وهو القائل: «من وُليَ من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباةً فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يُدخله جهنم» . وقال عليه السلام: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» أي: أنه اختلاس من المال العام، يقول تعالى: {ومَن يغلُل يأتِ بما غلّ يوم القيامة ثُم توفُى كُلُّ نفسٍ ما كسبت وهُم لا يُظلمونَ} (51) . ويحذر الحق تعالى: {يا أيُها الذين آمنوا لا تخونُوا اللهَ والرسولَ وتخونُوا أماناتكُم وأنتُم تعلمُون. واعلمُوا أنّما أموالكُم وأولادكُم فتنةٌ وأن الله عندهُ أجرٌ عظيمٌ} (52) .
وصدق رجل الأمن فيما يتحرى وما يقول وما يكتب من تقارير، يؤدي إلى الصدق في القرارات والأعمال التي تقوم بها الدولة، وفي ذلك، بالضرورة، إصلاح الأحوال. يقول الله عز وجل: {يا أيُها الّذين آمنوا اتّقوا الله وقولُوا قولًا سديدًا. يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكُم ومن يُطع اللهَ ورسولهُ فقد فاز فوزًا عظيمًا} (53) . وقد بعث الخليفة عمر بن الخطاب رسالةً إلى سعد بن أبي وقاص يوصية فيها بتحري صفة الصدق فيمن يرسل من العيون، يقول: «إذا وطئت أرض عدوك فازك العيونَ بينكَ وبينهم، وليكُن عندكَ من العربِ أو مِن أهلِ الأرض من تطمئنُ إلى نصيحته وصدقه، فان الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدقك في بعضه، والفاشي عينٌ عليكَ وليس عينًا لك» .
وفى شعر التراث العربي الإسلامي:
واجعل من الطلاع أهلَ شهامة للصدق فيهم شيمةٌ لا تخدعُ
لا تسمعِ الكذاب جاءكَ مُرجفًا لا رأىَ للكذاب فيما ينصعُ
الاعتدال في الأمور:
تسعى مخابرات العدو إلى تجنيد أعضاء أجهزة الأمن والمخابرات الأخرى عملاء لها. ويعتمد الأعداء في ذلك على نقاط الضعف التي يكتشفونها في من ينوون تجنيده ـ وهي كثيرةٌ ـ ومن نقاط الضعف المشهورة في عالم المخابرات صفتا التطرف والهوس ـ حتى في ممارسة الهوايات ـ وحب الظهور والشذوذ، بشتى ألوانه، والتعلق بمظاهر الأشياء، وحب المال والجاه. وان الدين ليوصى بنقيض ذلك كله، إذ يثني الله تعالى على أولئك المتصفين بالتوسط في تعاملهم مع الأشياء، فيقول: {والذينَ إذا أنفقُوا لَم يُسرفوا ولَم يقتروا وكانَ بين ذلِك قوامًا} (54) .
الكتمان وحفظ الأسرار:
أن الكتمان من أساسيات العمل الإستخباري، إذ يترتب على إفشاء المعلومات السرية وتسريبها مخاطر جمةٌ قد