مسائلًا ابن الخطاب على ثوبه الطويل: من أين أتى به؟. فأخبره عمر بأن ابنه عبد الله تبرع له بجزء من ثمنه به، فينجلي الموقف عن عدل ولا يجاري. وفي موفق آخر يقول أمير المؤمنين للرعية: (إن رأيتم في اعوجاجًا فقوموني) ، فتصدى له من يحدثه بأنهم إن رأوا اعوجاجًا فسوف يقومونه بحد السيف، وهنا يحمد الله أميرُ المؤمنين: «أن جعلَ في أمة محمد من يقومه بالسيف» .
* القدوة الحَسنة:
تحدثنا عن العدالة الاجتماعية، كركيزة هامة من ركائز تحقيق الأمن القومي. والقدوة الحسنة تجسد ركيزة أخرى لا تقل أهمية عن العدالة الاجتماعية. فالحكام يلزمهم أن يتحآلوا بهذه الفضيلة إذا أرادوا تحقيق الأمن لمجتمعاتهم ومؤسساتهم. وللمسلمين قدوةٌ كاملةٌ في الرسول - صلى الله عليه وسلم: {لقَد كانَ لكُم فِي رسول اللهِ أسوةٌ حسنةٌ لمن كانَ يرجو اللهَ واليومَ الآخر} (41) . وقد «كان خلقه القرآن» كما حدثت زوجه عائشة رضي الله عنها. وقد وصفه سبحانه وتعالى فقال: {وانّك لعلى خلُق عظيم} (42) ، وقال: {لقَد جَاءكم رسُول من أنفُسكم عزيزٌ عليهِ ما عنتُم حريصٌ عليكُم بالمؤمنِينَ رءوفٌ رحيمٌ} (43) . ولقبته قريش «بالأمين» يوم كان عدوّها.
والناس عندمنا يلمسون في قيادتهم القدوة الحسنة، فانهم يُضحون بكلِّ نفيس في سبيل نصرة تلك القيادة، ويصبرون على كيد الأعداء، وكذب شائعاتهم ودعاياتهم، ولا يتآمرون على الدولة ولا يسكتون عن متآمر، ويجدون في حماية بلادهم وقادتهم بشتى السبل.
صفات رجل الأمن:
اعتاد الناس التوجس خيفةً من أجهزة الأمن والمخابرات، لأن الإنسان بطبعه تواقٌ للحرية، نزّاعٌ إلى الطلاقة، يحاذر حتى من رجل الشرطة الذي يرتدي الزي الرسمي، لأن لديه من السلطات التنفيذية ما يمكنه من تقييد حرية الآخرين، لذا فعندما يكون الأمر متعلقًا بشخص له ذات سلطات الشرطة ولكنه في زي مدني يتضاعف التوجس والخوف منه، لما سمعه الناس وألفوه من الشائعات والحقائق عن بعض أفراد أجهزة الأمن المخابراتية، أولئك الذين يسيؤون استخدام ما اؤتمنوا عليه.
ولما كانت حاجة أجهزة الأمن لأفراد المجتمع حاجة أساسية، فان جميع أجهزة الأمن تسعى لكسب ثقة الجمهور ليكون عونًا لها في تحمل المسؤولية الجسمية التي تتطلب أولى القوة ممن يتصفون بصفات رفيعة، نذكر منها:
التدين والخُلق: بادي ذي بدء، يجدر الاختيار من العناصر ذات الدين والخلق، التي تخشى مراقبة الله قبل أن تٌعني بمراقبة الناس، ولا يكفي أن يكون رجل الأمن ذا دين فحسب، فيكلف من ذوى الدين من لا يصلح لمثل هذا العمل: لضعف أو غفلة أو تهاون، بل من الواجب إجراء تحر واسع ودقيق في الاختيار، وبفراسة لا تخطئ، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن أفرس الناس ثلاثةٌ: أبو بكر حين تفرس في عمر، وصاحب يوسف قال: {أكرمي مثواهُ} (44) ، وصاحبة موسى قالت: {يا أبتِ استأجِرهُ إن خيرَ منِ استأجرتَ القويُ الأمين} (45) . كذلك يجب البحث عمن يجمعون بين تخصصهم الأساسي واحتياجات أجهزة الأمن، فالكاتب الموهوب، مثلًا، يصلح في مهمة التحليل والتقديم وصياغة التقارير بتعبير واضح ومختصر ومشوق، وهذا من صميم ما تحتاجه الأجهزة الأمنية، كما أن مهام الأمن تستدعي اختيار ذوى التخصصات الفنية، مثل: المتخصصين في الكيمياء والفيزياء.
الطاعة والتقيد بالأوامر: يتطلب عمل الأمن سرعة التنفيذ، والسرية، والحذر، لذلك تصبح صفة الطاعة ضرورية، ما لم يؤمر الفرد بمعصية، فإذا أمر بمعصية «فلا سمعَ ولا طاعة» ، كما جاء في الحديث وقال تعالى: {يا أيهَا الّذين آمنوا أطيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرسُولَ وأولى الأمر منكُم فان تنازعتُم في شيء فردوهُ إلى الله والرسولِ إن كنتُم تؤمنونَ باللهِ واليومِ الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلًا} (46) ، وعلى العاملين أن يثقوا بقادتهم ويحسنوا الظن بهم: {من يشفَع شفاعة حسنةً يكُن لهُ نصيبٌ منهَا ومن يشفع شفاعةً سيئةً يكُن لهُ كفلٌ مّنها وكانَ اللهُ على كُلِ شيء مقيتًا} (47) .
حب العمل والتحلي بروح المسؤولية: تقتضي خطورة عمل الأمن والمخابرات التحلي بروح المسؤولية وحب العمل، إذا أن أخطاء الإهمال في مثل هذا المجال تلحق أضرارًا كبيرةً بمصالح البلاد والعباد، لذا كان لزامًا على رجل الأمن ألا ينتظر من يحثُه على البذل بل أن عليه أن ينزع إليه بحافز داخلي، يرجو به مرضاة الله.
الخبرة والمهارة والإتقان: إن العمل في أجهزة الأمن والمخابرات عملٌ فنيٌ يتطلب مهارةً عاليةً وكفاية فنية متخصصةً وإتقان في الأداء. فهذه الأجهزة تتعامل مع عدو ماكر وماهر، مزدود من أدوات التقانة بما يمكنه من كشف الأسرار، وتجاوز الأستار: باستشعار من البعد، وتسجيل وتصوير سريين، وتزوير للوثائق مريع، لذا يلزم المتصدي لمثل هذا العدو أن يكون خبيرًا ماهرًا متقنًا لعمله، ففي الحديث النبوي: «إن الله يحبُ إذا عمل أحدكم