القربَى وينهَى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُم لعلكُم تذكرُونَ (31) . وفي كتاب الله الكريم منه متكامل يوضح العناصر الأساسية لسلامة المجتمع وتجانسه: {إنمَا المؤمنونَ إخوةٌ فأصلحُوا بينَ أخويكُم واتقُوا اللهَ لعلكُم ترحمونَ. يا أيهَا الذينَ آمنُوا لا يسخَر قومٌ من قوم عسَى أن يكونُوا خيرًا منهُم ولا نساءٌ من نساء عسى أن يكنَّ خيرًا منهنَّ ولا تلمزُوا أنفسكم ولا تنابزُوا بالألقاب بئسَ الاسمُ الفسوقُ بعدَ الإيمان ومَن لَّم يتُب فأولئكَ همُ الظالمونَ. يا أيهَا الذينَ آمنُوا اجتنبُوا كثيرًا منَ الظنِ إنَّ بعضَ الظنِ إثمٌ ولا تجسسُوا ولا يغتَب بعضكُم بعضًا أيحبُّ أحدكم أن يأكلَ لحمَ أخيهِ ميتًا فكرهتموهُ واتقُوا اللهَ إنَّ اللهَ توابٌ رحيمٌ} (32) .
* مراعاة حقوق الأقليات:
تصبح الأقليات:
تصبح الأقليات المظلومة في المجتمع ثغرةً أمنيّة فيه، بما تختزنه من دوافع حقدها عليه، فتعمل على تخريبه من داخله، وتؤلّب عليه آخرين من خارجه. وقد حرص الإسلام على رعاية المستوطنين من الأقليات بحفظ أمنهم وحرّيتهم في عقيدتهم وعبادتهم وثقافتهم وحرماتهم في النفّس والمال، وبيّن خصوصيتهم في الأوضاع الاجتماعيّة والمساواة في الحقوق والواجبات ونص على ذلك شرعًا، ما لم يخرجوا على المجتمع، ولم يهددّوا مصالحه وأمنه. ويحرص الإسلام على البرّ بغير المسلمين، والعدل في معاملتهم، يقول تعالى: {لا ينهاكمُ اللهُ عن الذّينَ لم يقاتلُوكم في الدّينِ ولم يخرجوكُم من دياركُم أن تبروهُم وتقسطُوا إليهم إن الله يحبُ المقسطين. إنما ينهاكمُ اللهُ عن الّذينَ قاتلوكُم في الدّين وأخرجوكُم من دياركُم وظاهرُوا على إخراجكم أن تولوهُم ومن يتولهُم فأولئِك همُ الظّالمون} (33) .
ويرفض الإسلام إكراه النّاس على اعتناقه: {لا إكراه في الدينِ قَد تبينَ الرشدُ من الغَي} (34) . وقيل إنّ هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار كان له ابنان تنصرّا على أيدي نجار من الشّام، وكان أبوهما مسلمًا، فأراد أن يستكرههما على ترك النّصرانية والدّخول في الإسلام فنزل الوحي بالنهي عن ذلك. و يقول تبارك وتعالى: {قُل يا أهلَ الكتابِ تعالَوا إلى كلمة سوء بيننا وبينكُم ألا نعبُد إلا اللهَ ولا نُشرك به شيئًا ولا يتخذَ بعضُنا بعضًا أربابًا مِن دونِ اللهِ فان تولّوا فقولُوا اشهدُوا بأنا مسلمونَ} (35) .
وقد بّين الإسلام العلاقات مع الذمّيين، وحرّم الاعتداء على أنفسهم، ففي الحديث: «من قتلَ نفسًا مُعاهدًا لم يُرح رائحة الجنّةِ، وان ريحها يوجدُ من مسيرة أربعين عامًا» . كما لا يجوز الاعتداء على أموال المعاهدين، وأغراضهم، بل اشترط في أمر الدّعوة إلى الإسلام المجادلة بالحسنى، دونما عنف: {ادعُ إلى سبيلِ ربكَ بالحكمةِ والموعِظة الحسنةَ وجادلهُم بالّتي هي أحسنُ} (36) . ويقول تعالى: {ولا تُجادلوا أَهل الكتابِ إلا بالّتي هي أحسنُ} (37) .
* التحررُّ من الخوف:
الخوف الذي نتحدّث عنه هنا هو الذي ينجم عن خشية الإنسان من نقص في الأموال والأنفس، ومن الرؤساء والأعداء، ومن المجهول. وقد أوجد الإسلام نهجًا قويمًا للطمأنة من مثل هذا الخوف، إذ مضى يعمّق إحساس الإنسان بالثّقة، وإلا يخشى النّاس، مهما كانت مناصبهم وسطوتهم. ويحذّر الإسلام من النّفاق والرّياء، فيقول الحديث الشّريف: «من أحبّ أن يكون أقوى النّاس فليتوكّل على الله» . ويقول تعالى: {فلا تخشوّا النّاس واخشونِ ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا ومن لّم يحكم بِما أ نزلَ اللهُ فأولئكِ همُ الكافرُونَ} (38) .
* الحرية:
تعدُ الحرّية من أهم العوامل التي تحقّق الأمن القوميُ، وقد أقرّ الإسلام مبدأ الحرية- بل أوجبها وحضّ عليها- فالأصل في التّشريع الإسلاميّ هو حرّية الإنسان، ما لم تتضمّن عدوانًا أو انتهاكًا لحرمات الآخرين ومصالحهم. فقد اقرّ الإسلام حرية العقيدة بأن: {لا إكراه فِي الدينِ قَد تبيّن الرّشدُ مِن الغَي} (39) . وبذا لا يحقُّ لأحد أن يُكره غيره على اعتناق فكرة أو عقيدة، {أفأنتَ تكرهُ الناسَ حتّى يكونُوا مؤمنِينَ} (40) ، وأقر الإسلام حرية الفكر، بل أن القرآن ليطالب بالتفكر، وأصالة الرأي، ويحذر من الإتباع الأعمى، ويحضُ على الإبداع العلمي والاجتهاد في كل مجال من مجالات الفكر، فالمجتهد له أجرٌ إن أخطأ وأجران إن أصاب.
ولقد رسخ الإسلام الحرية السياسية، ومنح المواطن الحق في محاسبة المسؤول ومراقبته. فحين اعتلى خليفة المسلمين عمر المنبر وابتدر الناس قائلًا: «اسمعوا وأطيعوا» تصدى له أحدهم قائلًا: «لا سمعَ ولا طاعة» ،