ثم جاء الخلفاء الراشدون: يقول أبو بكر الصديق في أول خطبة له بعد الخلافة: (أيها الناس إني قد وليتُ عليكم ولستُ بخيركم) ، أما عمر بن الخطاب فقد عرف «إن العدل أساس الحكم» وان الحاكم العادل ينام ملء جفونه، لذا فقد اعتاد أن ينام تحت ظل شجرة، حتى قال فيه فارسي، هو الهرمزان: «حكمت فعدلت فنمت يا عمر» ليصوغ حافظ إبراهيم هذا المعنى الجليل شعرًا في قصيدته العُمريَّة الشهيرة:
وقال قولةَ حقٍّ أصبحت مثلًا *** وأصبح الجيلُ بعد الجيلِ يرويها
أمنتَ لما أقمت العدلَ بينهمو *** فنمتَ نومَ قريرِ العين هانيها
وأن العدل ليتحقق في المجتمع الإسلامي عبر أدوار اجتماعية شاملة، أهمُّها:
توزيعُ الثروة:
فالرفاهية التي تنشدها المدنيات الغربية الحديثة، والترف والثراء المثيرين لنوازع البغضاء، كلها ظواهر تناقض فكرة العدالة الاجتماعية. وقد عالج الإسلام هذه الظواهر من منطلق نظرته إليها باعتبارها أمراضًا فتاكةً في المجتمع: {وإذَا أردنَا أن نهلكَ قريةً أمرنَا مترفيهَا ففسقُوا فيهَا فحقَّ عليهَا القولُ فدمرناهَا تدميرًا} (24) . والثراء الفاحش الذي لا يؤدي فيه حقُّ الله مدعاة للطغيان والظلم: {كلاَّ إنَّ الإنسان ليطغَى. أن رآهُ استغنَى} (25) .
* مكافحة الجوع والفقر:
يدعو الإسلام إلى إطعام الفقراء والمساكين وتلبية حاجاتهم الأساسية، لهذا شرع فريضة الزكاة، وحث على الصدقات والإنفاق، والتكافل الاجتماعي، وغير ذلك من العطاء الذي يمارسه المسلم إزاء الفقراء والمساكين بما يحقق التوازن الاجتماعي والترابط، ويرسخ العدالة بين أفراد المجتمع.
ويؤكد القرآن الكريم إنَّ ما يُعطاه الفقير والمسكين ليس منةً ولا تبرُّعًا، لكنه حق من حقوقه: {وآتِ ذَا القربَى حقهُ والمسكينَ وابنَ السبِيل} (26) . وكذا في قول الله: {وفِي أموالهِم حقٌّ للسائلِ والمحرومِ} (27) .
* نصرة المظلوم:
يأمر الإسلام المسلمين بأن يهبُّوا مجاهدين لنصرة المظلومين والمستضعفين وفك أسرهم من ظالميهم، فيقول الله تعالى: {ومَا لكُم لا تقاتلونَ في سبيلِ اللَّه والمستضعفينَ منَ الرجالِ والنساءِ والولدانِ الذينَ يقولونَ ربنَا أخرجنَا مِن هذهِ القريةِ الظالِم أهلهَا واجعل لنَا مِن لدنكَ وليًّا واجعَل لنَا مِن لدنكَ نصيرًا} (28) . والظالم إذا لم يُردع فسوف يمتدُّ خطره من شخص إلى آخر ومن جماعة إلى جماعة، ومن دولة إلى أخرى. وترك الظالم دون معاقبة ظلم في حد ذاته، لأنه ـ فوق أن ذلك يغريه بتكرار ظلمه ـ يحرِّك الغبن والحقد في نفوس من اعتدى عليهم، فينتفي نتيجة لذلك الأمن، ويعمُّ الاضطراب والخوف بين الأفراد والمجتمعات.
* التعاون ونبذ الفرقة:
إن من أسباب انفراط عقد الأمن، الصراعات العرقية والطبقية، والتمايز بين المجتمعات والدول. وقد حث الإسلام على الوحدة والتماسك والتعاون على البر، ونهى عن التعاون على العدوان، وحث على التعارف بين الشُّعوب: {يَا أيهَا الناسُ إنَّا خلقناكُم مِن ذكر وأنثَى وجعلناكُم شعوبًا وقبائِلَ لتعارفُوا إنَّ أكرمكُم عندَ اللهِ اتقاكُم إنَّ اللهَ عليمٌ خبيرٌ} (29) .
والمجتمع المؤمن لا يمس ولا يكدر أمن وطمأنينة المجتمعات الأخرى، لأن قيمة التفاضل في المجتمع المؤمن ليست بالكسب المادي أو اللون أو العرق أو التراث، بل هو مجتمع معصوم عن هذه الأهواء، ومأمورٌ بمراعاة تعاليم الدين: {واعتصمُوا بحبلِ اللهِ جميعًا ولا تفرقُوا واذكرُوا نعمتَ اللهِ عليكُم إذ كنتُم أعداء فألَّفَ بينَ قلوبكُم فأصبحتُم بنعمتهِ إخوانًا وكنتُم علَى شفَا حفرة منَ النارِ فأنقذكُم منهَا كذلكَ يبينُ اللهُ لكُم آياتهِ لعلكُم تهتدونَ} (30) .
ولقد كان مجتمع المدينة مركبًا من المهاجرين والأنصار، ومن الميسورين والمعسرين، فآخى الرسول بينهم، فصاروا جماعةً متضامنةً بما لم تشهد له البشرية مثيلًا.
والشرع الإسلاميُّ ينهى عن كل ما يروع الفرد والجماعة في المجتمع، ويضع ضوابط لضمان وحدة المجتمع، منها: تهذيب أخلاق الفرد، وقيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسان وإيتاءِ ذي