* كلُّ قضية يُتعامل معها ينبغي أن تكون مكتوبة ومصدقة، لئلا ينحرف الأعضاء، ولكي لا يُسخِّروا سلطاتهم لأغراض شخصية.
* لا بد من تقنين التعاون بين جهاز الأمن وأجهزة الأمن الصديقة، وتقنين الموارد المادية، وغيرها من المساعدات التي قد تردُ إلى الأجهزة من الخارج.
* يُنصح بوضع مشروعات أمن مُعدة سلفًا للتعامل مع حالات الطوارئ، وأن يكون مصدقًا عليها من السلطات العليا، على أن تُفصل فيها واجبات كل جهة. ومن هذه المشاريع، مثلًا (مشروع أمن العاصمة والأقاليم، وأمن الشخصيات المهمة، والمؤتمرات العامة والاحتفالات) .
* غالبًا ما تتحول القضايا المهملة إلى قضايا أمنية، مثل: الأزمات التموينية، عدم توفر الوقود .. الأسعار .. الضرائب .. المرتبات، وهنا لا بد من منح المجلس المختص بالأمن السلطة في تنبيه الجهاز التنفيذي لمثل هذه القضايا، كما لا بد من منحه سلطة عقد اجتماعات مشتركة، والاتفاق على أسلوب تنفيذ ذلك.
* لتأكيد مبدأ «الأمن مسؤولية الجميع وليس مسؤولية تخصصية منوطة بأجهزة الأمن» يُستحسن أن يكون أمن الوزارات الحكومية والمصالح مسؤولية وزارية ومصلحية، وان يعاون الجهاز في التدريب والإرشاد والعمليات الكبرى.
ثالثًا: العدالة الاجتماعية:
من أهم الأسباب التي تحقق الأمن القومي، عنصر العدالة الاجتماعية، وقد عرف هذه الحقيقة معظم الحكام، ولكن غابت عن كثير منهم طرق تحقيقها. ففي عهد الأكاسرة نقش حاكمهم «أنو شروان» على خاتمه: «لا يكون العمران حيث يُوجد السلطان» ، ولكن الأكاسرة جاروا فبادوا، حتى قال عنهم الشاعر:
أين الأكاسرة الجبابرة الألى *** كنزوا الكنوز فما بقين وما بقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشه *** حتى ثوى فحواه لحد ضيق
ولقد عرف قيمة العدالة في إرساء الملك الأحباش. فمن مآثر ما قال مليكهم"النجاشى": «الملك يبقى على الكفر .. ولا يبقى على الظلم» .
ولقد سعى ماركس ورفيقه انجلز في منشوراتهما الشيوعية إلى ترسيخ إدارة واستثمار الأموال العامة، ثم توزيعها، بأكبر قدر من التساوي، وفق شعارهم «لكلِّ حسب حاجته وعلى كلٍّ حسب طاقته» ، وانتهت الشيوعية إلى ما يعرفه الجميع اليوم، وما ذاك إلا لخلل كامن بين النظرية والتطبيق.
أما النظرة الغربية الحديثة فترى في العدالة الاجتماعية أساس تحقيق الأمن، ولكننا نلاحظ ضيق هذه النظرية وتناقضها عند التطبيق. فالغربيون يرون أن الهدف القومي الأعلى لدولتهم هو تحقيق الرفاهية، ولكنهم يقصدون الرفاهية لشعوبهم دون الشعوب الأخرى، بل يسعون إلى تحقيقها حتى ولو على حساب الآخرين، ونجد منهم من يعرف وسائل تحقيق الأمن «بقوة الردع» ، ويحق للمرء أن يتشكك في جدوى هذا المفهوم، فالعالم كله شهد اليابان وألمانيا وقد هُزمتا وباد أمنهما وهما في أوج العظمة الحربية، ثم انتعشتا ثانية، وهما مجردتان من قوة الردع، وقد رأينا أن الاتحاد السوفيتي تفكك واضمحل وهو عملاق لا يُداني في قوة الردع.
أما الشريعة الإسلامية ـ بخصائصها الشمولية ـ فتؤكد أن للعدل شأنًا عظيمًا في تحقيق الأمن وثباته: {الذينَ آمنُوا ولَم يلبسُوا إيمانهم بظلم أولئكَ لهمُ الأمن وهُم مهتدونَ} (18) . ومثلما ينهي الله عن الظلم فانه يأمر بالعدل: {إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسان} (19) . ويسعى الإسلام إلى تجذير ضرورة العدالة، دون تحيز أو محاباة، ونجد ذلك في القول الكريم: {يا أيهَا الذينَ آمنُوا كونُوا قوامينَ للَّه شهداءَ بالقسطِ ولا يجرمنكُم شنآنُ قوم على ألاَّ تعدلُوا اعدلُوا هُوَ أقربُ للتقوَى واتقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خبيرٌ بمَا تعملونَ} (20) . وكذلك في قوله تعالى: {وأوفُوا الكيلَ والميزانَ بالقسطِ لا نكلفُ نفسًا إلاَّ وسعهَا وإذَا قلتُم فاعدلُوا ولَو كانَ ذا قربَى} (21) . وفي القول الكريم: {إنَّ اللهَ يأمركُم أن تؤدُّوا الأمانَاتِ إلى أهلهَا وإذَا حكمتُم بينَ الناسِ أن تحكمُوا بالعدل} (22) . أو قوله تعالى: {وممَّن خلقنَا امةٌ يهدونَ بالحقِ وبهِ يعدلُون} (23) .
ولقد طالما أرسى الرسول الكريم قيمة العدل في الحكم وشدد على ضرورة التمسك بها، فهو هنا يقول لرجل ارتعد أمامه: «هوِّن عليك، فإني لست ملكًا إنَّما أنا ابن امرأة تأكل القديد» . وقد أغلظ رجل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ذات يوم، قائلًا: أعدل يا محمد فإن المال ليس مالك ولا مال أبيك، فَهَمَّ ـ رضي الله عنه ـ عمر أن يؤدبه بسيفه، فنهاه النبي قائلًا: «اتركه يا عمر فان لصاحب الحق مقالًا» ، ولم يكن ـ في واقع الأمر ـ لذلك الرجل حق، ولكن الرسول العادل أراد أن يعلم الناس قيمة العدل.