الصفحة 13 من 90

وممن وهبهم الله قدرات ومواهب تفوق القدرات العادية، مثل الإدراك فوق الحسي، والشفافية، والحضور، وسرعة البديهة، والقدرة على تكوين صور ذهنية واضحة عن احتمالات المستقبل.

وفي تقديرنا، أن مثل هذه المجالس الشورية إذا توفرت فإن رأيها يكون أقرب إلى الصواب، فالدول العلمانية، نفسها، تكون جماعات من هذا النوع، ممن تتوافر فيهم درجات ذكاء عالية، ومواهب استثنائية.

قال البلخي: «شاور في أمرك من جرب الأمور وخبرها، وتقلبت عليه الحوادث وباشرها، من لم يوهنه ضعف الهرم، ولم يغيره حادث السقم» ويروى أن أكثم الصيفي «حكيم العرب» اجتمعت عليه بنو تميم في حرب يوم كلاب فقالوا: «أشر علينا بالصواب فإنك شيخنا، وموضع الرأي منا» ، فقال لهم: «إن الكبر قد شاع في جميع بدني، وإنَّما قلبي بضعة منى، وليس معي من حدة الذهن ما بدا له من الرأي، ولكنكم تقولون فأسلمه، لأني أعرف الصواب إذا مر بي» .

وقال أحد حكماء العرب يصف آخر: «فلان له فكر عميق، ورأي دقيق، يعرف من مبادئ الأفعال خواتم الأعمال، ومن صدور الأمور إعجاز ما في الصدور، ورأيه طبيب المملكة، وراقيها وراقع خرق الدولة ورافيها» .

وقال آخر:

موفق الرأي ما زالت عزيمته *** تكاد منها الجبال أصم تنصدعُ

كأنما كانت الآراء منزلها *** بواطن في قلوب الدهر تطلع

وفي وصف الشفافية، والاستبصار يقول أحدهم:

بصير بأعقاب الأمور كأنما *** يرى بصواب الرأي ما هو واقع

ثانيًا: الإجراءات الأمنية والمخابرات المضادة:

ويشمل هذا الجانب كل الإجراءات الأمنية الوقائية ومكافحة التجسس، والإجراءات الوقائية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية.

ونظرا إلى أن إجراءات الأمن التي تقوم بها الأجهزة هي التي تواجه نقدًا كثيرًا، وتحدث فيها بعض التجاوزات وتسبب حرجا كبيرا للسلطة، فسوف نسترسل ـ هنا ـ في سرد بعض الضوابط التي يجب أن تصحب هذه الإجراءات.

* ينبغي أن تلتزم أجهزة الأمن بحدود الشرع إزاء المواطنين والرعايا الأجانب، وأن ترعى حرماتهم في الخصوصية والمال والعرض والنفس، وأن تسلك مع الناس سلوكا يوضح لهم البون الشاسع بين أجهزة الاستبداد والتجبُّر، والأجهزة التي تخدم أهدافًا إسلامية نبيلة. كما يجدر أن يتحلى أفراد هذه الأجهزة بالأدب والتهذيب حتى عند توقيف المشتبه فيهم، وان يتحلوا بالانضباط والسرعة في إنجاز المعاملات المتعلقة بالجمهور. ومعروف أن المعاملات المدنية عندما ترسل إلى أجهزة الأمن لا يجرؤ الكثيرون على استعجالها، لذا فان على هذه الأجهزة إنجاز معاملات الناس دون إبطاء، وتفادى تعطيل المصالح.

* اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأمن، والاحتراز والحيطة من الإجراءات التي لا غنى للدولة عنها، خاصة في المطارات والموانئ وكل ثغور الدولة. وعلى أجهزة الدولة أن تُحكم التدابير وتعمل جميع الإجراءات ـ في سرية تامة، وسرعة وانضباط ـ للكشف عن محتويات الحقائب والطرود، بل يمكن أن تمر الحقائب والطرود إلى مكان آمن يجري فيه الفحص وضبط المحظورات واتخاذ الإجراءات ضد المخالفين، بدلا عن إخضاع الجميع لإجراءات تعسفية وتأخيرهم ساعات طوالًا بدواعي الأمن. ولقد سبقنا الغربيون في ذلك، فنحن نعلم أن إفلات المجرم في موانئهم ومطاراتهم من ضروب المستحيل، وبرغم ذلك فان إجراءاتهم سريعة، ولا يكاد يشعر المواطن أو الزائر انه تحت رقابة دقيقة.

* إن الرصد الأمني وسيلة اقتضتها الضرورات التي تبيح المحظورات، ولا ينبغي لأجهزة الأمن أن تترصد أو تتجسس على أحد إلا لضرورة تستدعي دفع الخطر عن الصالح العام. وفي هذه الحالة ينبغي وضع ضوابط دقيقة تمنع أفراد الأمن من الإطلاع على خصوصيات الناس وعوراتهم، وإذا جرى إطلاع على ما لا يجوز الإطلاع عليه يُشترط وضع الضوابط التي تمنع استخدام المعلومات المطلع عليها ضد الشخص المعنى، وعادة ما تُكلف جهة قانونية وأمنية عليا لتقدير ضرورة البدء بالرصد، وتحديد الأفراد الذين يُسمح لهم بالإطلاع على نتائج الرصد، واستخدام أكفأ الوسائل وألطف السبل التي تضمن سريته، تفاديًا للحرج مع المرصود، لان نتيجة الرصد قد تُسفر عن براءة ساحته، ولأنه، إن كان مذنبًا، فسوف يفلت من العقاب إذا شعر بأنه مرصود، فتختفي معالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت