الصفحة 95 من 373

نعم، هو واجب صعب يلقيه الإقرار بصواب هذه الخواطر على كواهل مجموع الدعاة، ولربما يرى فيها مرتاد الراحة نوع خيالات ساحت مجانا في آفاق التمنى، وتلك نظرة نقد كان يمكن قبولها لو كان يسندها بذل وافر للجهود والأوقات والأموال من لدن الدعاة، ولكن أيام بعضنا قد انطبعت بإيثار السلامة، والبخل عند العطاء، ولم نعرف نجاحا في الصراع السياسى، والفكرى، ولا يمر بطريق الإرهاق، والمكرم، وطول السهر، وإتلاف الصحة، ونسيان حقوق النفس…..!

... فإن كان كلامنا تجاوزات قلم، وأحلام راغب، فهى في ساعات يقظه، وفى إطار حسابات منطقية، ولذلك لم يكن لينبغى لمن ينتحل هذه الخطط ويحلم في اليقظة أن يسترسل في أحلام المنام ويومها، يوم بعثت الخلافة الراشدة جيوشها الصغيرة لتهدم بناء أكبر الجاهليات، جاهليات الفرس والروم والقبط، في شبه خروج عن مفاد القياس الحسابى عند من لا يعرف أثر الإيمان: أوجب عمر الفاروق رضى الله عنه على نفسه أن لا ينام، حذرا من أن تشتبه الظنون بعزماته فيحسبها الجاهل شطحات راقد، وحين وصل معاوية بن خديج المدينة ظهرا مبشرا أمير المؤمنين بفتح الأسكندرية مال إلى المسجد ظانا أن عمر في قيلولة، فأرسل إليه عمر، فقال له:

(وماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد ؟

قال: قلت إن أمير المؤمنين قائل.

قال: بئس ما قلت، أو بئس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيعين الرعية، ولئمن نمت الليل لأضيعين نفسى، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟) (1) .

وهى كذلك والله. فأنى للداعية كثرة النوم والراحة ؟

إن نام أو استراح بالنهار: ضيع أنصار دعوته ومحبيه والناشئة التى تكفل بتربيتها.

وإن نام آخر الليل: ضيع نفسه.

كلا، إن الداعية بمجرد قبوله هداية الله وانخراطه في الصف فقد اختار التعب، وطلق الراحة والدعة واللهو المباح.

(1) كتاب الزهد للإمام أحمد /123 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت