الصفحة 8 من 373

وهذا المفهوم ما هو بالجديد، وإنما هو تصور قديم صرح به السلف من الفقهاء، إذ كانوا يفهمون أن أولياء الله اللذين ينصرون دينه (يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن والعلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار، والصناع، والزراع) (1) .

فإقرار بمثل هذه الحقيقة، أو الانتكاس، وانقلاب الموازين.

بل هو ارتكاس قديم

وذلك هو خبر الإمام أحمد بن حنبل لما أطل ببصيرته، فرأى إهمال الثقات، وصعود النكرات، وتمكين أهل البدع، وتوسيد الأمور إلى غير أهلها، فقال: (إذا رأيتم اليوم شيئًا مستويًا فتعجبوا) (2) .

فهو عجب مبرر، قد انبغت له أسباب الصدق، إذا غلبت الأهواء أعراف الإيمان في تزكية الرجال، وصار (يقال للرجال ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من لإيمان) (3) ، حتى تولى الظلمة الوزارات ومراكز الحكم، وأصبح الجهلة صدور مجالس العلم.

وتكررت هذه الانحرافات أكثر من مرة بعد أحمد وندر الاستواء، حتى انعقد إجماع المؤرخين على رد كل مظاهر ضعف الأمة إلى سوء معادن المتنفذين، ولم تأت نكبة زوال الدولة العباسية إلا نتيجة منطقية لبلوغ الاعوجاج مداه.

ولم تكن لتك النكبة أخت تعظ بمثل وعظها، ومع ذلك أغلقت قلوب من في البلاد التى نجت من يد التتار عن الانتفاع، وشهدت ربوع الشام ومصر من أصناف أهل النقص ما أرهقها.

(1) مجموع فتاوى أبن تيمية 11/194.

(2) رسالة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر للخلال/113.

(3) مجلة الوعى الإسلامى الكويتية عدد ذى الحجة 1398.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت