الصفحة 61 من 373

بلى، الأصل طلب الأكمل، ولكن ذلك الكمال عزيز نادر قليل، فتستعين بالجار والمماثل، حتى أن أبا بكر رضي الله عنه قد سن لك سنة الفرح بالأقرب لما نزل وعد الله تعالى بغلبة الروم على الفرس.

... ولقد علمتنا الأيام دروسًا غير التي كانت تمليها علينا الحماسة البريئة والتصلبات المعاندة، ولقنتنا التجربة أن نعين على تواجد المحايد إن يئسنا من مجيء المسلم، في الوظيفة الصغيرة أو الحكم الكبير، وأن نصبر على الغافل الشهواني ابن يومه إن نازعه الملحد المخطط البعيد لأهداف، وأن نقدر أن الملحد المفسد سليل الأشراف أقل شرًا من جناح آخر في حزبه يضم الرعاع وسفلة القوم، إذ ربما كان في الأول بقية ترفع وإباء عن الدنايا والقسوة يفتقدها الغوغاء.

فمن وعظته أيامه بمثل هذه الموعظة كان حريًا به أن يحرص على أي جهد إسلامي في المجتمع وأعمال الدولة مهما كان ثانويًا وصغيرًا ووقتيًا أو مخلوطًا بأخطاء، لا يزهد بلفظ إصلاح واحد، بل يرحب به، ثم يواصل سيره نحو الأحسن، ويحث غيره من أهل النقص هؤلاء على مشاركته في هذا السير نحو الأحسن.

مع الريح الطيبة..!

إن هذه النقلة ضرورية لإحداث التأثير الشامل الذي يغير مجرى التيار ويستأنف الحياة الإسلامية، وبدونها يبقى الجهد الإسلامي مغمورًا، بطيئًا، لا يملك أكثر من لسان الوعظ الرقيق، بينما تنقله سعة الانفتاح إلى سعة في التربية الجماعية والتحريك، تتنامى لتولد ضغطًا هو لازم لتسيير الأجهزة الحكومية في اتجاه عملية التقويم السياسي الاجتماعي الثقافي النفسي الاقتصادي الذي نبتغيه.

والفرق واضح ما بين المرحلتين، والمعطيات الإيجابية لمرحلة استخدام الوسائل العامة وقيادة طاقات الإصلاح الكامنة في المجتمع لا تحتاج إلى برهان يدل على وجودها، فإن مثلها في ذلك ومثل التربية الصامتة في مرحلة النشأة كمثل ركوب السيارة أو السفينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت