وتجتمع القوة القيادية من موارد ثلاثة: صفات طبيعية وفطرية عالية يهبها الله تعالى لمن يشاء، من ذكاء وشجاعة وكرم، ثم الممارسة الخلقية والعبادية، ثم التثقف الكثيف، في علوم الإسلام والتاريخ والسياسة.
ولكنها ليست وظيفة حكومية يتنافس الدعاة عليها، بل يتقلدها الداعية بانبثاق تلقائى، وعن جدارة من خلال العمل اليومى الطويل، فتكتشف المجموعة أنه حرى به أن يقود، دون حاجة لإطالة عنقه لها.
... وكيف يخاف أحد أن لا يظهر فضل الفاضل والناس تفتش عن ذوى المقدرة القيادية بالمجهر ؟.
والمفروض أن هذه الثلاث تمكن القيادى من ثلاث:
من تولى الدور الأهم في التحريك.
ومن البحث التحليلى الناقد لأوضاع الدعوة، تطويرا وتصحيحا.
ومن الاتصال بجميع المستويات، لتنمية قدرات الإبداع أو حل المشاكل.
إطعام الولدان: عقلة العجلان
... ولكن الكفاية العالية التى يملكها العنصر القيادى قد تطمسها مشاكل المعيشة التى يزداد تعقدها مع مرور الأيام، ولذلك ساغ التفرغ، فكم من ذكى شجاع صبور لم ينهزم في ميدان الفكر والمعارك الحزبية، ولم تلن قناته في المحن، لكنه انهزم في ميدان إعالة أهله، ومالم تفرغ الجماعة عناصرها الصالحة وتكفيها فإن أمانى المسار تبقى حبرا على ورق.
... وضرب عمر بن عبد العزيز رحمه الله أسوة حسنة في فهم ضرورة تفريغ أهل الكفاية، فقال: ( والله إنى لأشترى ليلة من ليالى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بألف دينار من بيت مال المسلمين. فقيل: يا أمير المؤمنين: أتقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك وتنزهك ؟ فقال: وأيبن يذهب بكم ؟ والله إنى لأعود برأيه ونصحه وهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف دنانير) (1) .
(1) الإمتاع والمؤنسة 2/36.