... وهناك ما هو أوطأ من هاتين الناحيتين سلبية، ذلك أن هذا الذى تراكمت الواجبات عليه، ووسعت الصلاحيات له، لا يرتقى إلى نفس مستوى الدافع الداخلى الذى يملكه القائد في مناقشة نفسه واستشعاره التقصير، إذ على غيره تقع التبعة الأخروية الكبرى، وعليه الصغرى، أ, على غيره ينصب النقد في الدنيا، وهو بجانب، وعلى تل، يجنى ثمرات المديح إذا أجادو وأحسن، بما ملك القائد من عدل يحدوه إلى الاعتراف بالفضل لأهله، وإن هو أحطأ وأسرف: نجا بنفس العدل الذى يلفت نظر القائد إلى دوره السببى في ذلك، دون رؤية مجرد النتيجة، وبطبيعة الناس والأتباع إذ أنهم إذا حاسبوا ونقدوا: خاطبوا الرأس والأصيل، ولا الفرع والوكيل البديل، ومنطق العقل يؤيدهم في مذهبهم، وأعراف الأمم تسوغ لهم، فيكون الوكيل سيد الحالتين: ناجيا، وللثمرات جانيا إن هذه الناحية جد مهمة، فإ، مشارفة القائد للأمور بنفسه تولد فيه عوامل التقوى، فهو يتهم نفسه بالتقصير، وتكون فيه شعبة مما كان في عمر الفاروق رضى الله عنه من استشعار عظم المسؤولية، ويأخذ يتعب نفسه حين اليقظة، ويحاسبها إذا أقبل على النوم، وما بينهما أحلام ورؤى، ولاتنفك تدور في مدار ما هو فيه من العمل، ويظل يسأل نفسه كل يوم: لعله ظلم أحدا، ولعله دلس أمرا، ولعله أبدى تقصيرا، ولعله فوت فرصة، ولا يبلغ الوكيل مثل هذه المعاناة النفسية المنتجة مهما تكلف لها.