الصفحة 336 من 373

من هنا يكون القائد الحاذق البصير بمصلحة دنياه وآخرته ميالا إلي عدم التفرد، حريصا علي إحاطة نفسه بأعوان كثيرين يوزع عليهم الجهد، ويعينونه في حمل الأمانة، وإلا فإنه إن تفرد، أو طلب الأعوان فلم يجدهم: وقع في العجز، وقارب أن يستحيل عليه الإصلاح وإبداء أثر كبير، وأصبح في ظرف كالذي مر به عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فإن همته كانت عالية، لكنه كان قد ورث مشاكل كثيرة عن الخلفاء الذين سبقوه، وكانت الفتن قد استعرت، فتن الخوارج وغيرهم، مع هبوط في حمية الجهاد، شاع بسببه بين الناس الحرص على الأموال بجشع ونهم، فلم يستطع عمر أن يستدرك، لبقاء الثقل عليه وحده، حتى قال التابعي إياس بن معاوية بن قرة: ( ما شبهت عمر بن عبد العزيز إلا برجل صناع حسن الصنعة ليس له أداة ) (1)

إن ظاهرة عدم استمرار الإصلاح الذي أتي به عمر تعطينا موعظة كبيرة في التدليل علي أهمية الأعوان، إذ لم يكن فققهاء المدينة الذين زاملهم، وأقرانه في التلمذة لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كثرة، وكأنهم أقل من أن يسدوا جميع الثغرات التي ثلمت صفاء المجتمع الإسلامي آنذاك، وقارب عمر أن ينفرد بحمل كل الثقل، ولهذا لم يستطع بلوغ ما بلغته أمانيه، وفي هذا دليل علي أن العمل القيادي ما هو بعمل فردي، بل لابد من قيادة جماعية تكفي حاجات العمل الواسعة، فكما أن النجار لا يستطيع أن يعمل دون مطرقة ومنشار ومسمار، فكذلك القائد لا يستطيع أن يقود بدون أعوان ..

إن هذه القيادة قد يكون فيها من هو بارز، وأرع من الآخرين، وله همة أبعد، أو له حماسة أشد حرارة، ويمهر في الابتكار والتخطيط، فيحتل مركز الصدارة تلقائيا، ويكون رأس الجماعة، ولكنه إن كان فردا لا أعون له فكأنه صاحب مهنة لا أداة له، ولك أن تتصور بطالة حداد لا سندان له ولا نار .

(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي / 239

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت