إن التشدد أصل في التأسيس، أما في أيام الانفتاح الذى يليه فنتصل بالجميع، ونبذل الحب لكل المسلمين، وأيما امرئ وجدنا فيه شعبة خير: اقتربنا منه وكلأناه برعايتنا، ومهما كان خيره صغيرًا.
فغن المخالطة تنميه، والتشجيع يربيه، وتوفيق الله تعالى من قبل ومن بعد يبارك فيه، ولعلك لا تدرى في أوائل أمورك أين تكمن العناصر الإيجابية القيادية وأى القلوب تحتل، والفراسة الصحيحة تقودنا إلى أن نترقب هذه الإيجابية في الشجاع القوى الشخصية اللبق الدائب، ولكن تاريخنا يحفظ لنا قصصا كان الدعاة يرون فيها شبابا يرتادون منتدياتهم بصمت وهدوء أزهدهم فيهم، فإذا بتصعيد الصراع يدفعهم لبذل وتحرك قصر عنه كثيرون،وابانت الأيام، أيام التحدى، عن تجرد في أصل كيانهم لم يفتعلوا له الإظهار المبكر وكأنهم كانوا ينتظرون.
اتصل أيها الأخ الداعية، ثم اتصل، ووسع دائرتك، ثم وسع وجالس وامتزج واختلط وشافه، وأفراح مع أهل الأفراح،و أظهر المواساة للحزين، ثم جالس، واصنع مجتمعا ممتدًا عريضا من حولك،ولا تضيق عليك الفسيح، وارتك التفتيش عن عيوب الناس ونواقصهم بالعدسة المكبرة والنبش والتقليب، بل استر واقبل وتجاوز واعف عما سلف، ثم ليس يضيرك بعد ذاك أن تنتقى من هذا المجتمع الواسع الذى اتصلت به رجالا بشروط صعبة وتدقيق لتكون منهم مجتمعا قياديًا أخص وأضيق، هو أمتن، وأفقه، وأطول نفسا، وأبعد صبرًا.
إن الإسلام علانية، الدعوة علانية، نتكلم على رؤوس الأشهاد، ونظهر أنفسنا في كل ميدان وذلك الأصل.
نخطب، ونكتب، ونتصل بالناس وبرجال الأحزاب وبالحاكمين بأسمائنا، مباشرة، وصراحة في غير ما اختفاء، وما السرية عندنا غير استثناء تقتضيه الظروف الصعبة كإجراء وقائى إزاء ظلم الحاكمين وإرهاب المخالفين، فيسار المستهدفون، وهم الأقل، وأمما عموم الدعاة فهم في ساحات العمل ماضون، وقد يشاركهم القادة في أغلب نشاطهم، خطابة، ومحاضرة، وتأليفًا، ولكن من دون ذكر صفتهم القيادية.