إن هذا المذهب السياسى المجرد الناقد لجهد التربية ما زال يتنامى في السودان ، والذى نراه أنهم إنما يعممون القول دونما نظرة نسبية ، ونظنهم لا يجيدون التعبير في وصف حالة خاصة تمكنهم من إقلال الجهد التربوى ، وذلك أن تدين الشعب السودانى يغنيهم ، إذ وفرت البيئة الأنصارية أو الختمية كثيرًا من الجهود التى يفترض أن تؤديها الجماعات الإسلامية العاملة في البلاد الإسلامية الأخرى ، وما زال الشباب السودانى العادى وافر الإيمان ، نقى الفطرة ، طاهر السلوك وتكثر فيهم المحافظة على الصلاة ، ولا يحتاج كى يتحول إلى داعية إلا إلى وعى سياسى وارتباط تنظيمى ، بينما تجد شعوبًا أخرى كثر فيها النفاق ، ويبدأ الدعاة فيها تعليم أصحابهم الجدد مبادئ الصلاة وأوليات الأخلاق .
ومع ذلك فإن تزايد تعقد الحياة يضطر دعاة السودان إلى زيادة مقابلة في رعاية الجانب التربوى اضطرارًا ، فإن المؤشرات التى تأتى بها المسيرة العملية الفعلية قد تنقض القناعة النظرية التأملية والظنون المستعجلة ، وآية ذلك ما نشره الأستاذ الترابى عن (الصلاة) و (الإيمان) ، إذ نجد في هذين الكتابين مساهمة تربوية لطيفة ، وتذكرة قلبية رقيقة ، وفيهما دليل على استحالة نفى الأقتران الذى ندعية بين التربية والعمل السياسى .
(القاعدة السادسة) : التدرج في الإصلاح
ذلك أن النفوس تألف الإعوجاج إذا عاشت فيه دهرًا طويلًا ، وتتصلب على ما تألف من المعاصى ، وإذا أردنا لها نقلة مفاجئة سريعة: حاصت وتمردت ، وتفلتت ، تبغى التملص ، فنضطر إلى الترفق ، وتجزئ الخير في ورود متتابع متصل حتى يكتمل .
والأساس الفقهى الذى تستند عليه قاعدة التدرج يكمن في قاعدة ترجيح المصلحة الكبيرة على الصغيرة عند تعارضهما ، فإن ، امتناع الناس عن قبول الخير دفعة واحدة قد يؤدى بهم إلى شقاق لنا يتطور إلى فتنة عارمة ، وهى مفسدة كبيرة ، تأخير إعلان وتطبيق الحق الذى يرفضونه .