الصفحة 213 من 373

إلا أن هذا الوعى لضرورة هذا المنحنى اليقظ ينحرف به الغلو عن مقصده وسمته فقد يتصور البعض طبيعة من السرية الصارمة وفردية الاتصال وتباعد وقت اللقاء، وذلك ممكن لكنه في الأحزاب لا عندنا، لأن شخصية الداعية المسلم ليست كغيرها، وتلزمها رقة وشفافية ، وتقوى واعتدال مزاج ، ولطف حس ودماثة خلق وعمق فقه ، والتفرد يضعف هذه الخصال في الداعية ، ويجعله جافًا ، كثيف الروح ، ولقد أرهقتنا تجربة الجهاز السرى بمصر في أعقاب مقتل الأمام البنا رحمه الله، وتحولت بعض عناصره إلى شبه عصابات اختلفت فارتكبت القتل، وسالت دماء مسلمة بريئة، وما كان ذلك إلا من جراء المبالغة في السرية ووضع السلاح في أيدى الضعاف قبل حصول التربية العميقة، فقست القلوب، وطفح الغرور .

إنه درس ينطق ، يعلمك وجوب الاحتياط المضاعف وترسيخ التربية الإيمانية وإطالة الفترة التجريبية .

لسنا ألوية إيطالية حمراء ، ولا رجال عصابات ، ويجب أن لا يطغى الضرر على المصالح التى نجنيها ، فضلًا عن صعوبة هذه الصرامة ، إذ يحول دونها إرتياد المسجد ، وحجاب نسائنا ، وأدبنا الفريد ، وعفافنا المميز ، وفى هذا ما يجعل التجميع الواسع ضرورة فوق كونه تيار ضغط ومجال انتقاء ، لتضيع القلة المصطفاة في الكثرة المنشرة ، دون أن يعرفها المراقب والفضولى .

وثمن ذلك: فطم لسان الدعاة عن كلام كثير يستسهلون تداوله اليوم أثناء التعارف والاستطراد في المجالس ، ومن خلال تحقيقات الصحف الإسلامية ، فهم يذكرون أسماء وأخبارًا لا ضرورة لذكرها ، وينبشون تاريخًا ، ويفضحون أسرارًا ، وما لم تتبدل هذه الطبائع ، ونجيد التمييز لحدود الأحاديث المتبادلة والمقالات الصحفية فإن صفنا معرض كله للانكشاف والمخاطر .

كفى ، كفى أيها الأخوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت