بل إن المأساة التى يشهدها الشعب المصرى بأجمعه نتاج الاقتصاد الضعيف كما يقولون ، ولا من نتاج الحروب المتكررة ، بمقدار ما هى من نتاج هجرة الأخيار ، فإن قطاعات واسعة من علماء مصر في الشريعة أو في مختلف الفنون ، ومن أدبائها ومربيها وقضاتها وأبطالها ، والمشتورين من أطبائها ومهندسيها ، وأشرافها وسادة أهلها ، قد هاجرت إلى الخليج والمملكة السعودية وأوروبا وأميركا واستراليا ، بضغط الظروف السياسية أو الحاجة المادية ، حتى لم يبق من الأخيار في داخلها عدد كاف تتعادل به الحياة الاجتماعية ، وكثر الجهلاء والغوغاء والجبناء واستبدوا في احتلال الساحة وأرغموا بقية الخير على السكوت والانسحاب من الحياة العامة .
نظرة إلى معنى الزهد في بعده الدعوى
نعم ، نحن لا ننفى مصاعب العيش التى تضطر بعض الدعاة إلى هذه الهجرة ، وطلب لايسار والغنى وازع وغريزة ، ولكن تربيتنا مكلفة بأن تحمل الدعاة على شد ركبهم والأخذ بالعزيمة وتكلف الصبر على الفقر ، وأن تشعرهم بحلاوة الجزاء الأخروى ولذة النجاح في تحقيق التأثير الفكرى الإسلامى والأخلاقى في الناس .
ولعل من أسمج الجزاف أن يطلق البعض قوله فيصف البلدان التى يهاجر إليها الدعاء بأنها مقار لهم ، وإنهم يتحولون فيها إلى أصفار على الشمال ، ذلك أن الأرض كما أنها لا تقدس أحدًا ولا تشرفه فإنها لا تعقله أو تأسره ، وصاحب النشاط هو هو أينما ذهب ، ولكن استجابة المجتمع الغريب له تكون ضعيفة جدًا ، فلربما مال إلى يأس ، ونظرة الإنصاف تريك أنواعًا من الفرائد قدمها المهاجرون ، وإنما نحن ندعو إلى موازنة مصلحية كمية لسنا نجد كبير عناء لاكتشاف رجحان مقدار نفع الدعية في بلده وبين أقرانه وأهله على مقدار نفعه في الخارج ، ومن هنا كانت وصية الجاسوس الأميركى إلى رؤسائه بحمل الدول النفطية على إيجاد فرص عمل للدعاة جيدة ، وهى الوصية المشهورة في الوثيقة الخطيرة التى فضحتها مجلة الدعوة .