إنه توازن يأتى بحكمة ربانية وقدر مقدور خفى ، ووجهه الظاهر كامن في التربية المتبادلة ، بمعناها التأثيرى الواسع ، لا من المربى الأعلى إلى تلامذة في الأسفل فقط ، بل هى تأثيرات منسابة تتردد بين الأقران تنتجها طباعهم وهواياتهم وميولهم ، فهم قد يطيعون مسؤولًا لهم ويحبونه ، لكنهم في نفس الوقت يذهبون إلى غيره في أمورهم الحيوية ، من زواج قد يكون فاشلًا ، ويرجع عن طلاق قد يكون به ظالمًا ، أو صفقة تجارية قد يكون بها خاسرًا ، وبذلك يبعدون عن المشاكل القاتلة للمعنويات ، وتتسق حياتهم المعاشية أيضًا لا الحياة التنظيمية فقط ، وتقام علاقات صحيحة سائرة بلا إضطراب ولا ثلمات ، وتحوطهم سعادة يسهل معها الحفاظ على سمت الجدية .
وفى نطاق المجاميع المختصة تبرز هذه الظاهرة بشكل أو ضح ، فإن مجموعة العمل الصحفى مثلًا تتجانس مع الأيام ، ويكون أحدهم أعرف بالاصطلاحات المفضلة ، والأساليب والمعانى التى ترضى الدعاة ويفهمها الناس ولا تولد حرجا تجاه الرقابة ، فإذا تبدلت عناصر هذه المجموعة: اضطرت لتجديد التجرية وتكررت الأخطاء .
هذه الحقائق تفرض علينا حرصًا على تواجد الأجيال كاملة ، بمنع الهجرة من البلد إلا في أحوال الضرورة أو المصلحة التى تقدرها القيادات ، وما مصاعب العمل الإسالمى في مصر وسوريا وبعض البلاد الأخرى إلى نتيجة لاختلال هذا التكامل وسعة هجرة الدعاة إلى الخليج والغرب ، وكاد أثرها أن يكون أكبر من المحن ، لأن السجين يمد إخوانه الطلقاء بمعنوية تثير فيهم معنى الثبات والوفاء للدعوة ، ولكن الهجرة ذات أثر عكسى ، إذا لربما أثارت في الأقران معانى التنافسي الدنيوى ، فوق ماتسببه من انثلام التوازن ونشوء ظروف تسهل فيها الفتن الجماعية أو الفردية .