أما الطبيب، والصيدلي ، والمهندس ، والجيولوجي ، والكيماوي وأمثالهم ، فإنهم يفيدون الدعوة ، بقابليتهم الشخصية فقط ، وأما مراكزهم الوظيفية فصلتها ضعيفة بمجالاتنا ، بل وأمامهم مجال فتح العيادات والمكاتب الخاصة مساء ، فيتقلص كثيرًا وقت اشتغالهم بالدعوة ، بعكس الموظف العادي من الحقوقيين او المدرسين ومن شاكلهم ، حتى أنك لتجد الداعية قبل تخرجه من كلية الطب أو الهندسة أكثر إرهاقا من طالب الآداب والقانون ، منفقا أكثر وقته في التشريح أو رسم الخوارط .
إن من التطرف وضعف التدبير أن نحرص على صنف واحد من الصنفين ، وإذا كنا ندعو اليوم لكثيف الدخول الى كليات الدراسات الإنسانية فإن ذلك لما لمسناه من عزوف عنها ، وأما الصواب فكامن في حالة من التعادل والتوازن بين مختلف الاختصاصات ، مع بعض الرجحان لدراسة القانون والاقتصاد والآداب ، تقتضيه طبيعتنا الحركية ، فإن دارسيها يستطيعون في الغالب إقناع الطبيب والمهندس وضمه الى صفوفنا ، ويندر حدوث العكس ، ولا ننفى وجود أمثلة مغايرة ، ولكننا نتكلم عن الشائع الأغلب ، وإنما نعنى بالتعادل: ذلك التعادل في توجيه أهل الذكاء والجد الدراسي إلى هذه التخصصات ، وأما الاكتفاء باضطرار أصحاب المعدلات الضعيفة والهمة الدراسية الواطئة لدخول كليات الحقوق والآداب فإنما فيه تحقيق تعادل ظاهري لا يؤدى إلى ما نقصد إن روح الصراحة تتيح لنا أن نفصح عما نلمسه عند كثير من الدعاة من رواسب نظرة الإكبار العرفية التى يضيفها مجتمعنا للمهندس والطبيب ، ورحنا نقلد الناس دون تدبر في مستقبل الدعوة ، ولا بد من أن يشترك كافة الدعاة بحملة واسعة سنوية وبتربية دائمة للترغيب بهذا التوازن ثم التخصص ، ويجدر بمن يعمل للإسلام أن يلزم العزيمة وعلو الهمة والصبر ، فيتحمل ما هنالك من فروق في الرواتب والفرص المعاشية والمردود المادي بين الصنفين إن بقى دون شهادة تخصص عالية تساويه بغيره .
تواضع …. ووفاء