ويمكننا أن نفقة دور هذا الوضوح من مثل نضبه: أن رجلًا يريد أن يشترى تحفة، فهو يتحرى الأتقن صنعًا والأجمال منظرًا، إذ الفطرة السوية تقوده إلى ذلك، فيرى ذات النقش الفني اليدوي الدقيق على خشب الأبنوس النادر، ويرى ذات النقوش الغليظة التى تنتج المكائن ألوف النسخ المتماثلة منها من لدائن كيماوية. فإذا ظفر بالأولى: ازداد إعجابًا بها مع الأيام، وحرص على حمايتها من يد تعبث بها، ووضعها في صندوق أو بعيدًا عن اللصوص والأطفال، وجعل ميزاتها موضوع حديثة إن زاره أحد، لما لمس فيها من الإتقان والجمال، من بعد ما رأى الكثير غيرها من البائر القبيح الرخيص.
وهكذا إذا أحس الداعية فعلًا بإتقان الله تعالى لأحكام الإسلام، واستمتع بجمالها ولمس المصالح الكامنة فيها، فإنه يشعر عندئذ بأن إسلامه دين عزيز، وليس كمثله دين آخر أو فلسفة، ويندفع ذاتيًا لصيانته والذود عنه والتحدث لجلسائه بإحساسه، ولله ولدينه المثل الأعلى.
وإلا أن هذا الوضوح الفكري سهل تمنيه، لكنه في التطبيق يمثل جهدًا جماعيًا مكثفًا في تثقيف الدعاة، وتفهيمهم الأحكام الشرعية وفضائل الإيمان، من خلال تربية تعليمية طويلة ومطالعة منهجية، فتجتمع لهم بذلك صورة كاملة لجمال الإسلام، وأما مجرد المقالات التى تمدح الإسلام وتذكر عدله فإنها لا تولد غير جدية سريعة الانقضاء والنفاد.
إن هذه الحقيقة تطلعك على ارتباط عوامل الجدية الجماعية بجميع أعمال الدعوة على اختلاف أنواعها، وصلتها هذه بالناحية الثقافية دليل على أن التحسن والنجاح في أى جانب من الجوانب الخطة الشاملة يؤدى إلى زيادة ونمو في جدية المجموع، مما يقنعنا بأننا إن أردنا كمال التشغيل والاستغلال للطاقات فإن علينا أن نتوجه لرفع المستوى التربوى العام أكثر مما نتوجه للتعويل على حث الدعاة على انفراد.