... يظنون أن كل قيد يؤدى إلى تعويق، وأحكام الإسلام محددة أبدية، فهى قيد إذن عندهم.
... من هنا اختصر إقبال الطريق لهم، فوضعهم أمام محاجة عقلية ظاهرة، مسرعا دون حاجة إلى مقدمات، فقال في أرجوزة أسرار الذات:
قد سرى النجم يؤم المنزلا ~~~ طوع قانون له قد ذللا
سخر الأفلاك في همته ~~~ ممن ثوى في القيد من شرعته (1)
... إنها إشارة رمزية يمثل إقبال الظاهرة النفسية خلالها بالظاهرة الكونية، فالإنسان في قيده هذا يحفظ علوه، كما حفظ النجم علوه واستمراريته وحركته الدائبة بقيود الجاذبيات.
... فالجاذبية قيد، لكنه قيد تحريك وتحليق.
... هكذا تماما أمر الإسلام، وتقييد الإنسان نفسه بالشريعة لا يحرمه شيئا من حريته، بل يضعه في أفلاك عالية لا يتصورها خيال الملحد والعلمانى فضلا عن أن يدانيها.
... ولكن الوهم يحرف ويدعو لصدود، ويحمل بعض الحكام - كما يقول ابن القيم - على: (الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة) حتى (قدموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده) فقال بعضهم: (إذا تعارض الأثر والقياس: قدمنا القياس) (وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع: قدمنا السياسة) .
(فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه) وهكذا (إستند كل قوم إلى ظلم وظلمات آرائهم، وحكموا على الله وبين عبادة بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، وصار لأجلها الوحى عرضة لكل تحريف وتأويل، والذين وقفا على كل إفساد وتبديل) (2) .
وهذا شأن الإسلام المثلوم تحدث عنه ابن القيم، كالإسلام المعتزلة وأصحاب الآراء، إذا حكموا، يأخذون أشياء ويتركون، متأولين بمقدار التعارض الذى يتوهمون، فكيف بحكم ملحد معاند يدع كل ما هنالك ؟
(1) ديوان الأسرار والرموز /38
(2) نقول من مدارج السالكين 2/70.