وكل مسلم مطالب بإبداء أثر في هذا الاستدراك، والماركة فيه بنوع من الخير، حسب استطاعته، ولا معنى لحياة إمرئ سلبى، يرتع في هذه الدنيا: أكلًا وشربًا وتلذذًا بالنساء، والمفكرون من حوله لا يحاول أن يبدى موقفه منهم، والسياسيون عن يمينه وشماله بين صالح وطالح يصطرعون وهو يتفرج.
أن السلبية والانعزالية والتفرج ما هى إلا تعابير مخففة مجازية يأباها عبد الرحيم بن الأخوة الشيبانى الشاعر مفسر القرآن، ويعد ذلك موتا، فالمرء والسيف - عنده - ما لم يبديا أثرًا: حى كميت، مسلول كمغمود.
وبلغ الرافعى مبلغًا أقصى، فرأى وجود السلبى غير مبرر، وأنذرك بوجوب الجلاء، وأنك (إن لم تزد شيئًا على الدنيا: كنت أنت زائدًا على الدنيا) (1) .
وذلك شأن لذعة القلب حين يكويه برود المسلمين، تنسيه اللذعة الألفاظ اللينة، ويغيب عن باله أنك لا تطيق الصراحة، فيقسو عليك وأنت لا تحتمل !!
فتعال نتركهما، لنمر معًا على ذى رفق، لا يزيد على أن ينبهك إلى أن إبداء أثر الخير صفة كبقية الصفات الإيمانية التى طُوِلَبتْ حواسك بها.
إنه يقرن لك رفيقين، رفق المبنى ورفق المعنى، ويدلك على زادين …
فخذ لك زادين: من سيرة ~~~ ومن عمل صالح يدخر
وكن في الطريق عفيف الخطا ~~~ شريف السماع، كريم النظر
وكن رجلًا إن أتوا بعده ~~~ يقولون: مَرّ، وهذا الأثرْ
وما نحسب أن الهمم تتعاقد على أقل من هذا:
أن يكون لك أثر يطبعه قدمك مع الركب السائر، يمنحك حقًا في العجب معنا من مؤمنين مصلين، أكتافهم في المساجد بأكتافنا، ما زالوا يتأخرون عن المسير مع قافلتنا، ويسألون عن وجهتنا، وربما يتشككونن وما دروا أن قد سبقهم من سبق، وأن قد جد الرعيل في الرحيل، وإن المتأخر في الالتحاق: متأخر في الفضل.
أنشأت أساله عن حال رُفقتِهِ ~~~ فقال حىّ، فإن الركب قد نصبا
(1) وحى القلم 2/86.