تصور أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام كانوا في مكة، وليس فيها مشركٌ ولا كافر، ليس فيها مشكلة؛ ولا معارضة، ولا تكذيب، ولا تسخيف، ولا تنكيل، ولا إخراج، ولا تضييق، جاء الوحي فسعد به النبي، ونطق به، وسعد به أصحابه، ليس هناك خروج من مكة، ولا هجرة، ولا قتال، ولا بدر، ولا أُحد، ولا خندق، ولا شيء إطلاقًا، كيف يرقى أصحاب رسول الله؟ الإنسان لا يرقى إلا حينما يقابل المتاعب ويصبر، لا يرقى إلا إذا ظهر صدقه، وظهر ثباته، هذا ينقلنا إلى موضوعٍ آخر.
الإنسان حينما يلتزم جانب الصواب يدفع ثمن هذه الطاعة حتى يشعر بقيمتها:
لو أن إنسان له دخلٌ كبير من معصية شنيعة ثم تاب من توِّه عن هذه المعصية، لو أن الله جدلًا أعطاه دخلًا أكبر بمجرَّد أنه قد تاب، هذا الإنسان الذي تاب لا يشعر بقيمة توبته، ما نقص عليه شيء، أما حينما يقل دخله بعد أن تاب إلى الله، ويدفع ثمن طاعته، وثمن إيثاره، هذه المتاعب التي يعانيها هي التي تثمِّن عمله، هي التي تسمو به عند الله عزَّ وجل، فالإنسان حينما يلتزم جانب الصواب هناك ما يسمى بثمن هذه الطاعة، ثمن هذه الطاعة إن لم يدفعه لا يشعر بقيمة هذه الطاعة.
مثلًا أحيانًا يلتزم شاب في أسرة، ويستقيم، يدع كل سهرةٍ مختلطة، يدع كل نُزهةٍ مختلطة، يدع كل وليمةٍ مختلطة، يدع كل شيءٍ يبعده عن ربه، يلزم دروس العلم، يأتي المساجد، فالظاهر هذا الشاب حُرم هذه الولائم، وحُرم هذه السهرات، وحرم هذه النزهات، وحرم هذه المباهج، لولا أنه حُرمها لما كان لطاعته معنى.
أيها الأخ الكريم لا تتألَّم حينما تدفع ثمن طاعتك، أبشر، واستبشر، وكن سعيدًا إذا دفعت ثمن طاعتك، يؤكد هذا المعنى قول الله عزَّ وجل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (28) }