لما دخل أبو بكرٍ ذكرت خديجة حديثه لها وقالت:"اذهب مع محمدٍ إلى ورقة بن نوفل فإنه رجل يقرأ الكُتُب فيذكر له ما يسمع"، فانطلقا، فقصَّا عليه فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداءً خلفي: يا محمد أنا جبريل، فأنطلق هاربًا، قال ورقة: سبوحٌ سَبوح، وما لجبريل يذكر في هذه الأرض التي يعبد فيها الأوثان، جبريل أمين الله تعالى على وحيه بينه وبين رسله، لا تفعل إذا أتاك، فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني"."
إذًا يستنبط أن ورقة بن نوفل كان على علمٍ بأمر النبي عليه الصلاة والسلام وما يحدث له.
أيها الأخوة، لهذا الرجل الحصيف العاقل الذي يقرأ الكُتُب قولٌ آخر، قال:
"هذا الناموس الذي نزَّله الله على موسى يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك". فقال عليه الصلاة والسلام:
(( أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ ) )
[البخاري عن عائشة أم المؤمنين]
قال:"نعم لم يأتِ رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عوديَ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزَّرًا"، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي.
هناك تعليقٌ لطيف على هذه الرواية: لحكمةٍ أرادها الله جعل الحق والباطل في كل مكان وفي كل زمان، والمعركة بين الحق والباطل معركةٌ أزليَّةٌ أبديَّة، ولولا أهل الباطل لما ارتقى أهل الحق، إن هذه المعركة بين أهل الحق وأهل الباطل هي التي تُعلي قدر أهل الحق، وتؤكِّد ثباتهم، وصدقهم، وحبهم، وشوقهم لربهم.