قال: أحاطته برعايتها وعطفها وحنانها، ولم تبادر إلى سؤاله عمَّا حدث، وهذا من ذوقها الرفيع ـ أحيانًا الإنسان سكوته كمال، أحيانًا حديثه غير الهادف نقص، أحيانًا إن سكت في موقف، فالسكوت أعلى درجات الكمال ـ بل انتظرت حتى هدأت نفسه الشريفة، وذهب عنه ما كان يجد من اضطراب، عندئذٍ سألته، فقصَّ عليها ما رأى وأخبرها بما سمع وقال لها:"لقد خشيت على نفسي"، فقالت له رضي الله عنها بكل ما أوتيت من ثقةٍ وحزمٍ:"كلا والله ما يخزيك الله أبدًا"، وفي رواية للبخاري:"كَلاَّ أَبْشِرْ"، هذا هو الدعم الداخلي، هذا هو التثبيت، هذا هو العقل،"كلا والله ما يخزيك الله أبدًا"، هذا النص له روايات كثيرة:
"إنك تحمل الكَل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر، وما يخزيك الله أبدًا".
[الزهري عن عائشة]
الكمال البشري حازه النبي في أعلى درجة:
ذكرت لكم في درسٍ سابق أن كل إنسانٍ له عملٌ طيب ينبغي أن يثق بالله عزَّ وجل، والله لن يخزيه أبدًا.
بعض كتَّاب السيرة له تعليقٌ لطيف على هذا الموقف الرائع، يقول:"لكِ الله يا أم المؤمنين ما أعقلكِ، وما أحزمكِ، وما أصدق فراستكِ، وما أعظم ثقتكِ بربكِ سبحانه، من في النساء من تقول مثل كلمتكِ هذه، وتقف من زوجها مثل موقفكِ الكريم هذا؟!". هناك نساء كثيرات يُسَفِّهن موقف أزواجهن، الموقف الكامل، الموقف المُخلص، الموقف الذي ينمُّ عن حبٍ لله عزَّ وجل، وعن إيثارٍ لطاعته ورضوانه، زوجةٌ جاهلةٌ تسفِّه موقف زوجها، وتكون عبئًا عليه، وليست في خدمته.