استمرَّت مرحلة الرؤيا الصادقة ستة أشهر، وكانت رحمة الله تعالى قد عمَّت هذا البيت الكريم، لأن هذه الرؤيا الصادقة ـ كما قال علماء السيرة ـ فيها توطئةٌ لنزول الوحي عليه يقظةً، هذا في المنام، رأى في المنام كذا، وقد حبب الله تعالى إليه في أثناء هذه المرحلة الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس.
أخواننا الكرام، لا بد لك من خلوةٍ مع الله، أن تكون مع الناس دائمًا، هذا يبعدك عن الله عز وجل، لا بد من خلوةٍ مع الله، ولا بد من شحنةٍ روحيةٍ مع الله، فكان عليه الصلاة والسلام يعتكف في غار حراء الليالي ذوات العدد، وكل إنسان بإمكانه أن يصلي الفجر، وأن يذكر الله، وأن يتلو القرآن، وأن يناجي، وأن يستغفر هذه خلوةٌ مجزأة، النبي عليه الصلاة والسلام حببت إليه الخلوة مع الله.
ألم يقل أحد العلماء:"ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة"، أي لا بد لك من خلوة مع الله، لا بد لك من قوتٍ تناجي به ربك.
حدثني أخ كان بالحج، قال لي: تمنَّيت يوم عرفات أن أخلو بنفسي مع الله، أنا جالس في الخيمة مع أُناسٍ كثيرين يتحدَّثون في شؤون الدنيا، فلا بد أن أستمع لهذا أو لذاك، وكأن هؤلاء الذين كانوا معي كانوا حجابًا بيني وبين الله، قلت له: لمَ لمْ تذهب إلى خارج الخيمة، وتجلس في مكان تناجي الله فيه، وأنت في أشرف أيام حياتك يوم عرفات؟ فالخلوة تشحنك، الخلوة تجعلك تتصل بالله عز وجل.
كان أنس النبي بالله شديدًا في غار حراء حتى غلب أنسه بالله وحشة المكان:
إذًا حبب الله تعالى إليه الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس، والعلماء قالوا: الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس، فهناك إنسان ليست لديه إمكانية أن يجلس وحده أبدًا فهو دائمًا مع الناس؛ يتحدث، ويستمع، ويعلِّق، ويسأل، ويجيب، ويلقي بعض الطُرَف أما وحده يمل، المؤمن يأنس بالله وحده.