الطعام الذي يصل إليهم, يصلهم سرًا بكميات قليلة جدًا، وكان عليه الصلاة والسلام يتولى توزيعه بنفسه بالعدالة، الآن تذهب مساعدات للمنكوبين، الذين يحتاجون لهذه المساعدات لا تصل إليهم، وقد تصل إلى أعدائهم, فكان عليه الصلاة والسلام يوزع هذا الطعام القليل بنفسه على أصحابه.
أما أسباب الحصار: لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدًا, أصابوا به أمنًا وقرارًا، وأن النجاشي منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، وأصبح الإسلام يفشو في القبائل, اجتمعوا وائتمروا على أن يكتبوا كتابًا, يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب؛ على ألاّ ينكحوا إليهم، ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك, كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا، وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم، فذاق النبي المقاطعة الاقتصادية، ذاق ألم الحصار هو وأهله.
أم كلثوم كانت تحت هذا الحصار، نجت أختها زينب، وأختها رقية في الحبشة، وزينب مع زوجها.
وقد رق بعض أشراف قريش لآل هاشم، وآل المطلب، كانوا مستضعفين، يقول أحدهم: النبي مجنون، وينام في بيته آمنًا، النبي كان مستضعفًا, يمر النبي على آل ياسر، وهم يُعذبون، ماذا كان يقول لهم؟ (( صبرًا آل ياسر ) ).
الآن كلمة محمد ترتج لها الدنيا، أما حينما بدأ بالدعوة كان ضعيفًا، ولحكمة بالغة بالغةٍ, أرادها الله جعله ضعيفًا، لماذا؟ ليكون الإيمان به حقيقيًا، لو كان قويًا وآمنوا به مائة ألف وتسعة وتسعون ألفًا كاذبون خوفًا أو طمعًا، أما إذا كان ضعيفًا, فالإيمان به حقيقي.
أقول لكم هذا دائمًا: الأقوياءُ ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والأنبياء بكمالهم، والنبي كان مستضعفًا، وقالوا عنه: مجنون، قالوا عنه: ساحر، قالوا عنه: كذاب، قالوا عنه: كاهن، قالوا عنه: شاعر, ألقوا عليه التراب.