شيءٌ آخر: أحيانًا إنسان يغرر بإنسان، وهو في مكان أمين، هذا منتهى اللؤم، أن تورِّط إنسان, وأن تضعه في مكان تصعب الحياة فيه، وأنت معافى في مكان مرتاح فيه، النبي عليه الصلاة والسلام كان في المعمعة، وكان وسط المعركة، وكان في بؤرة المتاعب، ونجَّا أصحابه من هذه المتاعب, هناك من يفعل العكس، هو في مأمن، هو في بحبوحة، هو في مكان مريح، هو في وسائل الحياة المريحة، والذين غرر بهم, يعانون من الآلام ما لا يطاق، أهذا هو الوفاء؟ أهذه هي الرحمة؟.
هو في معمعة المشكلات، وقد أرسل أصحابه إلى الحبشة ليرتاحوا من العذاب، من الاضطهاد، من التنكيل، وهو عليه الصلاة والسلام لا يقدر أن يمنعهم، هو أيضًا ضعيف، لماذا كان ضعيفًا عليه الصلاة والسلام؟ لمَ لمْ يجعله الله ملكًا؟ فإذا أعطى أمر، ملايين مملينة تنفذ هذا الأمر، جعله ضعيفًا، حينما جاء بالرسالة، يستطيع أحد الناس أن يتهمه, ويقول: هذا ساحر, وقالوا: ساحر، وقالوا: مجنون, قال تعالى:
{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}
[سورة القلم الآية: 2]
وقالوا: كاهن, وقالوا: مصاب بمرض يحتاج إلى طبيب، وقالوا: شاعر، والذين قالوا عنه: مجنون، وساحر، وكاهن، وشاعر، ناموا في بيوتهم مرتاحين، ما أحد تعرض لهم بالأذى، لأنه كان ضعيفًا، والحكمة في كونِ النبي ضعيفًا, ليكون الإيمان به حقيقةً، إيمانًا تحت الضغط، ليكون الإيمان به ثمينًا، أما إذا كان الإنسان قويًا, فأنت بالطبع تعلن ولاءك له خوفًا منه، وتعلن ولاءك له طمعًا فيما عنده، أما إذا كان ضعيفًا, لم يكن قادرًا على أن يحمي نفسه، ولا أصحابه، فإذا آمنت به، فإيمانك صحيحٌ مئةً في المئة، لا تعتريه شائبة، لأنك لا ترجوه ولا تخافه, قال تعالى:
{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى}
[سورة الأنعام الآية: 50]