والله لا يدنو مني رجلٌ إلا وضعت فيه سهمًا، فتباعد الناس عنه, وأتى أبو سفيان، وكان حكيمًا في جُلَّةٍ من قريش, فقال: (( أيها الرجل, كفَّ عناَّ نبلك حتى نُكَلِّمك، فكفَّ، فقال أبو سفيان: إنك لم تصب, -أي ما أصبت في هذا العمل- خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانيةً، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانيةً على رؤوس الناس من بين أظهرنا, أن ذلك ذلٌ أصابنا عن مصيبتنا التي كانت، وأن هذا منا ضعفٌ ووهنٌ، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها حاجة، وما لنا من ثأرٍ نثأره منها، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدَّث الناس أن قد رددناها، فَسُلَّها سرًا، وألحقها بأبيها، ففعل.
أقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات، خرج بها ليلًا, حتى أسلماها لزيد بن حارثة وصاحبه، فقدما على النبي صلى الله عليه وسلَّم.
ولما وصلت زينت إلى أبيها رسول الله, استقبلها استقبالًا حارًا، وهتف الناس بهجةً بوصولها بسلام، وما إن استراحت من عناء السفر, أَخبرت أباها بما فعلها الرهط من قريش معها, -وفي روايةٍ: (( أنها أصيبت بجرحٍ من رمحه فنزفت وألقت حملها ) )-.
أرسل النبي عليه الصلاة والسلام سريَّةً, لمعاقبة هبَّار وصاحبه، وتقيم زينب بقرب النبي عليه الصلاة والسلام، وأَنِسَت بأخواتها في المدينة )) .
أيها الأخوة, حتى كان العام السادس من الهجرة إلى أن وقع أبو العاص في أسر الصحابة, بعد أن تعرَّضت قافلته بسبعين ومئة من الصحابة، فأخذوا قافلته، وأسروا أناسًا كثيرين منهم أبو العاص، فجاؤوا بهم إلى المدينة.
أبو العاص له تجارة من الشام إلى مكة، خرج مئة وسبعون من الصحابة الكرام, طبعًا في حالة حرب بينهما, أسروا هذه القافلة، وأخذوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أبا العاص فر منهم، واستجار بزوجته زينب.