فقال له المقوقس: إني نظرت في أمر هذا النبي, فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكذاب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء، أي المستور والأخبار بالنجوى، وسأنظر، ثم أخذ الكتاب، وجعله في حق من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جاريته، وأرسل المقوقس إلى حاطب, فقال: القبط لا يطاوعني في اتباع نبيكم.
-أنا عملي غالٍ عليّ، إذا اتبعتكم فقدتُ عملي، لذلك لا أحب أن تعلم بمحاورتي تلك، لا أحب أن يعلم بهذه المحاورة أحد، نبيك على حق، ورجل مرسل، وليس بكذاب، ولا كاهن، ولا مشعوذ، يأمر بالخير، وينهى عن الشر، ولكن القبط لا يتبعونني إن آمنت بهذا النبي- ولا أحب أن يعلم أحد بمحاورتي إياك، وأنا أضن بملكي أن أفارقه، وسيظهر في البلاد نبيك، وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده، -يعني النهاية لهم-.
أعطاه مئة دينار وخمسة أثواب، وأهدى المقوقس إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماريا القبطية، -موضوع درسنا اليوم- وأختها سيرين، وغلامًا اسمه: مأبور، وبغلة شهباء، وأهدى له حمارًا أشهب، كان أغلى شيء حمار أشهب، يقال له: يعفور، وفرسًا، وأهدى إليه عسلًا من عسل بنهة، قرية في قرى مصر، يعني هذه الهدية, وأبقني على حالي )) هذا موقف مصلحي، مصلحته أن يبقى على رأس ملكه.
ما مضمون الكتاب الذي حمله حاطب إلى النبي من المقوقس, وماذا أخذ النبي من الهدايا التي أرسلت إليه من المقوقس؟
فلما عاد حاطب قافلًا, زوده المقوقس بكتاب للنبي عليه الصلاة والسلام, قال فيه المقوقس: (( بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من مقوقس عظيم القبط, سلام عليك، أما بعد:
فقد قرأت كتابك، وفهمت ما فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًا قد بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبثياب، وأهديت لك بغلة كي تركبها, والسلام عليك )) .