حضر أبو سفيان إلى المدينة، صلح الحديبية فيه شرط، وهو في ظاهره لصالح قريش، أما في الحقيقة فقد انقلب عليهم، فمن خرج من المسلمين إلى مكة مرتدًا خذوه، أما من جاءنا منكم مسلمًا نرده، ليس هناك تكافؤ، فهذا الشرط لم يقبله سيدنا عمر، وقال: (( علام نعطي الدنية في ديننا؟ قال له سيدنا الصديق: الزم حجرك، هو رسول الله، -هذا الشرط من غرائب الصدف، فهو في ظاهره مهانة، أما عمليًا فهؤلاء الذين جاؤوا, وردَّهم النبي, شكَّلوا عصابة, قطعوا الطريق على أهل مكة، فضجرت تجارتهم، لأن الطريق غير آمن- فجاء أبو سفيان إلى النبي يرجوه، ويتوسل إليه أن يلغي هذا الشرط -أيّ واحد أسلم من عندنا فاقبلوه، ليس هناك مانع- فالنبي لم يرض، -هذا هو سبب مجيء أبي سفيان إلى المدينة-.
لقد حضر أبو سفيان والد أم حبيبة المدينة, يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يمد في أجل الهدنة التي تمت المصالحة عليها في الحديبية, فيأبى عليه النبي هذا الطلب، أراد أبو سفيان أن يستعين على تحقيق الطلب بابنته زوجة النبي، فدخل دار أم حبيبة، وفوجئت به يدخل بيتها، وما رأته من خمسة عشر عامًا، ولم تكن قد رأته منذ أن هاجرت إلى الحبشة، فلاقته بالحيرة، فلا تدري أترده لكونه مشركًا، أم تستقبله لكونه أبًا؟ وأدرك أبو سفيان ما تعانيه ابنته، فأعفاها من أن تأذن له بالجلوس، وتقدم من تلقاء نفسه, ليجلس على فراش رسول الله، فما راعه إلا وابنته, تجذب الفراش من تحته, لئلا يجلس عليه، فسألها بدهشة: يا بنية, أرغبتِ بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله، وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال: يا بنية, لقد أصابك بعدي شرٌّ، وخرج من بيتها خائب الرجاء.