في اليوم الثالث سكتت، أشار إليها سيدنا علي أن تسأله ثالثة، فلما سمع منها النبي قالت: أنا بنت حاتم الطائي، فقال عليه الصلاة والسلام: إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، أطلق سراحها وأكرمها, حتى أقنعت أخاها أن يلتحق بالنبي.
-الذي يلفت نظري أن النبي عليه الصلاة والسلام ينقلب أعداؤه الألداء بلقاء واحد إلى أحباب- قالت: الحق بهذا الرجل إن يكن نبيًا, تكن من أتباعه، وإن يكن ملكًا تنل منه، وتبع عدي نبي الله، وصار من أصحاب رسول الله ))
طبعًا رسول الله كان بإمكانه أن يطلق سراحها، أن يطلقها بلا فداء، وهو ضامن، -ماذا فعل؟ - فقال عليه الصلاة والسلام: أو خير من ذلك، أتحبين شيئًا خيرًا من ذلك؟ قالت: ماذا؟ قال: أؤدي عنك كتابك، وأتزوجك، قالت: نعم، ففعل ذلك.
فبلغ الناس أنه قد تزوجها فقالوا: أصهار رسول الله عندنا، أطلقوا سراحهم جميعًا، لذلك قالوا: أعتق الله بها مئة من أهل بيت قومها، فما كانت امرأة مباركة على قومها كهذه المرأة ))
هذا الذي يغيب عن بعض المستشرقين أن النبي عليه الصلاة والسلام يتزوج تأليفًا للقلوب، يتزوج لمصلحة إيمانية راجحة، يتزوج لمصلحة إن صحّ التعبير دعوية كبيرة.
في رواية ثانية رواها الذهبي في سير أعلام النبلاء, يقول:
(( إن النبي عليه الصلاة والسلام سبى جويرية، فجاء أبوها, فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها، وإن ابنتي لا يسبى مثلها، فأنا أكرم من ذلك, فخلِّ سبيلها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أريت إن خيرتها أليس قد أحسنت؟ فقال أبوها: بلى، فلما سألها قالت: اخترت الله ورسوله ) )
هذا ماذا يذكرنا؟ لما جاء والد سيدنا زيد ليفديه من الرق، قال له: هناك أفضل، خيِّره، فإن أرادكم لا أريد عليه شيئًا، فلما خيروه, اختار الله ورسوله.