ليس هناك عند المسلم عداوة دائمة، ولا عداوة شخصية، هناك عداوة عمل، يكره من الكافر كفره، يكره من المنافق نفاقه، يكره من العاصي معصيته، يكره من المنحرف انحرافه، يكره من المنغمس في الملذات, انغماسه في الملذات، ولا شيء آخر، أساسًا إذا رجع العبد إلى الله, نادى منادٍ في السموات والأرض, أن هنؤوا فلانًا, فقد اصطلح مع الله، بل إن كل واحد منكم, حينما يتوب إلى الله توبة نصوحًا, يشعره الله عز وجل، ويلقي في روعه, أنه قد عفا عنه، ولا شيء بينك وبين الله إلا الودّ والحب.
فهؤلاء عباد الله هزمهم، ماذا فعل النبي؟ أراد أن يرحمهم، وكانت هذه سنته صلى الله عليه وسلم في أعدائه المنكسرين، لكن لو لاحظنا الحروب الحديثة إذا انتصرت دولة على دولة تسحقها، وتذلها، خمسمائة طفل يموتون كل عام في العراق، لا يرحمونهم، الحروب الحديثة حروب تشقي، حروب إبادة، حروب تنطلق من قلب كالصخر، أما الحروب الإسلامية فتنطلق من رحمة، النبي انتصر عليهم، ولكن أراد أن يرحمهم-.
قال ابن هشام: لما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة بني المصطلق، ومعه جويرية بنت الحارث، وكان بذات الجيش دفع جويرية إلى رجل من الأنصار، وأمره بالاحتفاظ بها, لكونها بنت سيد قومها، وكان هذا قبل توزيع الغنائم، وقدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة, فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته، أبوها سيد قومه, أخذها ليجلب قومه، فلما كان بالعقيق, نظر أبوها إلى الإبل التي جاء بها, ليفدي ابنته, فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا محمد, لقد أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها، فقال عليه الصلاة والسلام: أين البعيران اللذان غيبتهما في العقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي فعلته لا يعلمه أحد إلا الله.