(( يا بن عبد المطلب، يا بن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عندك، فامنن علينا، وأحسن في فدائه, فقال عليه الصلاة والسلام: ادعوه فخيروه، فإن اختاركم, فهو لكم بغير فداء, وإن اختارني, فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداءً.
-هل في الأرض كلها شاب أو صبي, يؤثر رجلًا على أبيه وعمه، أو على أبيه وأمه؟ ماذا تلقَّى من محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ من معاملة طيبة، من إكرام بالغ، من رحمة واسعة، من لطف بالغ، حتى آثر النبي على أمه وأبيه؟! -.
قال: فدعاه, فقال: هل تعرف هؤلاء؟ -لعلهما ادعيا أنهما أقرباؤه- قال: نعم, هذا أبي، وهذا عمي, فقال عليه الصلاة والسلام: فأنا من قد علمت, ورأيت صحبتي لك, فاخترني أو اخترهما, فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والعم, -عندئذٍ كاد أبوه ينفجر- فقال: ويحك يا زيد, أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك, وعمك, وأهل بيتك؟ فقال زيد: لقد رأيت من هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا.
-أيها الأخوة, الإنسان أحيانًا يتساءل، النبي عليه الصلاة والسلام عنده زيد، وهو غلامه، ويعلم أن له أبًا، وأمًا، وأهلًا، وهو سيد الخلق، هو أكمل خلق الله، فكيف يسمح النبي لنفسه أن يبقي عنده زيد؟.
الجواب: النبي عليه الصلاة والسلام يعرف من هو؟ يعرف أن رحمته أكبر من رحمة أبيه وأمه، يعرف أن السعادة كلها عنده، يعرف أن خير الدنيا والآخرة في صحبته، ما تركه عنده قسرًا، والدليل: لما جاء أبوه وعمه, يدفعان مالًا وفيرًا ليفتديانه, اختار زيد رسول الله، إذًا: هو واثقٌ من نفسه، واثق أن صحبة زيد لرسول الله أفضل له من كل شيء؛ من أمه وأبيه-.
فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام هذا الموقف الوفي، -والنبي عليه الصلاة السلام سيد الأوفياء- أخرجه إلى الحِجر, -إلى حجر إسماعيل- أمسكه بيده, وقال: اشهدوا أن زيدًا ابني، يرثني وأرثه.