بالطبع السيدة خديجة رأت من أمانته، ومن كرمه، ومن صدقه، ومن عفَّته، ومن استقامته، ومن خوراق العادات الشيء الكثير، فكان قلبها متعلِّقًا بالنبي، وقد امتلأ حبًا له، وإعجابًا به عليه الصلاة والسلام، وكيف لا تحبه وهو أكمل الناس خَلقًا وخُلقًا؟
وأحسنُ منك لم تر قط عيني وأكمل منك لم تلد النساءُ
خلقت مبرأً من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاءُ
أيها الأخوة الكرام، من زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان، لأن الإيمان حُسن الخلق، وما مُدِحَ النبي بمدحٍ أبلغ من قول الله عز وجل:
{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) }
(سورة القلم)
هو أكمل الناس خَلقًا وخُلقًا، وأنضر الشباب وجهًا، وأكملهم رجولةً، ولكن أين السبيل إليه؟ وما هي الوسيلة التي تقرِّبها منه؟ كيف تجعله يفكر في الزواج منها ويتقدم لخطبتها؟ وقد جرت أعراف الناس وتقاليدهم أن تكون المرأة هي المَخطوبة لا الخاطبة، المطلوبة لا الطالبة، الآن الآية معكوسة، هي تبحث عن طريقٍ تصل إليه، الشيء الذي أدهشها أنها ما لاحظت من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يفكِّر في الزواج، ولم تر منه عليه الصلاة والسلام أي التفاتٍ إلى النساء، ولم تر بصره يرتفع إلى وجهها، وهذا شأن العفيف، فلا يملأ عينيه من محاسن المرأة، ولا ينظر إلى وجهها، لك أن تكلِّمها، ولك أن تخاطبها من دون أن تملأ عينيك منها، والأنثى تعرف بالضبط من نظرة الرجل ما إذا كان عفيفًا، أو كان شهوانيًا، أدركت أنه بعيدٌ عن جو النساء، ولا شك أن المرأة تستشعر هذه الحالة بشكلٍ دقيق.
السيدة خديجة خطبت النبي صلى الله عليه وسلَّم لتتشرف بالزواج منه: