فسيدنا جعفر بن أبي طالب قال: أيها الملك, كنا قومًا أهل جاهليَّة؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلًا, نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده, ونوحِّده، ونخلع ما كنا نعبد من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا أن نعبد الله وحده، وأن لا نشرك به شيئًا, فعدى علينا قومنا فعذَّبونا، وفتنونا عن ديننا، وقهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا، فخرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظْلَم عندك، كلامٌ ما بعده كلام.
قال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟.
قال جعفر: نعم.
قال: فاقرأه علي.
قالت: فقرأ عليه صدرًا من سورة مريم.
قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضلَّ لحيته، وبكت أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون، -هكذا تروي أم سلمة رضي الله عنها حديث الحبشة الطويل، كما أخرجه الإمام أحمد في المسند، وهو موجود بشكل مطوَّل في كتب السيرة-.
ثم عادا إليه في اليوم التالي وقالا له: إنهما يقولان في عيسى بن مريم كلامًا تنكره, ثم استدعاهم مرة ثانية، وقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ تلا عليه الآيات الكريمة، فسُرَّ النجاشي.
ثم إن المهاجرين إلى الحبشة, بلغهم أن أهل مكة أسلموا جميعًا, -خبر غير صحيح- حتى أقبلوا فرحين مسرورين، تركوا الحبشة، وعادوا إلى مكة بناءً على هذا الخبر السار، فلما دنوا من مكة, بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة, كان باطلًا لا أساس له، فلم يدخل منهم أحدٌ مكة إلا بجوار مشرك، أو مُسْتَخْفٍ عن أعين المشركين.
وتعود أم سلمة رضي الله عنها مع زوجها إلى مكة مستخفيةً عن أنظار الظالمين، وتمضي معه فيها أيام الصبر، والمصابرة في سبيل الله ))