لحكمةٍ أرادها الله، وبتوفيقٍ من الله عز وجل، يسَّر الله للنبي هذه التجارة، وربحها ربحًا وفيرًا، وعاد ميسرة إلى السيدة خديجة رضي الله عنها فحدثها بما رأى.
تعليقي على هذا الموقف أن الإنسان كلما كبُر لا يمدح نفسه، أو لا يستجدي المديح، عمله ينطق عنه، الإنسان إذا كان عند الله كبيرًا فهو غنيٌ عن أن يستجدي مديح الآخرين، غنيٌ عن أن يعرض عضلاته، وإمكاناته، وقدراته، وما توصَّل إليه، وماذا فعل؟ وكيف عامل الناس؟ دع الناس تتحدث عنك، دع الناس يتحدثون عنك لأن الحق أبلج، والناس لهم عيون ولهم آذان، ويرون:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) }
(سورة النساء)
هل ورد عن النبي أنه مدح أمانته؟ مدح صدقه؟ تحدث عن خبرته في التجارة؟ لا لكن ميسرة رأى كل شيء ونقل كل شيء، ولأن الله هو الحق، إذًا هو الذي يظهر فضائل الناس، يظهرها ألم تقرأ قوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا (38) }
(سورة الحج)
الإنسان ليجهد أن يضع نفسه في الظل ـ أو في التعبير الحديث في التعتيم ـ إن وضع نفسه في الظل الناس يتحدثون عن فضائله، لأنهم رأوها رأي العين، يتحدثون عنها، أما أنت إذا تحدثت عنها، كان حديثك عنها ثقيلًا، قيل: رقصت الفضيلة تيهًا بفضلها فانكشفت عورتها، اجهد أن تتحدث عن الله ورسوله وأوليائه دون أن تسلِّط الأضواء على نفسك.
أنا، نحن، لي، وعندي، أربع كلماتٍ مهلكات ورد ذكرها في القرآن الكريم:
في هذه الرحلة ما تكلم النبي كلمةً عن نفسه أبدًا؛ ولكنه كان صادقًا، أمينًا، عفيفًا، محبًا، حكيمًا، كل هذه الفضائل رآها ميْسرة، وأخبر بها خديجة، هناك أُناسٌ همهم أن يتحدَّثوا عن أنفسهم، وكما تعلمون، كلمة أنا، ونحن، ولي، وعندي، هذه أربع كلماتٍ مهلكات، أنا، ونحن، ولي، وعندي:
{أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ (12) }
(سورة الأعراف)