وهذا إنسان بعقله قصور، الذي ينتظر من الناس أن يمحضوه حبهم، وإخلاصهم، وتفانيهم, وهو يسيء إليهم، هذا شيء مستحيل، هذه طبيعة النفس البشريَّة، إن أردت أن تنعقد حولك القلوب فأحسن إليهم، والإنسان الكامل يملك القلوب، بينما الإنسان القوي يملك الرقاب، وشتَّان بين أن تملك القلوب وبين أن تملك الرقاب، بونٌ شاسع بين الحالتين.
فمثلًا: زوج قاسٍ، يحب نفسه، أينتظر من زوجته أن تموت في حبه؟ لا لن تموت في حبك، ولن تهتمَّ بك، إن لم تهتم بها فلن تهتم بك، إن لم ترع حقوقها فلن ترعى حقوقك، فكن واقعيًا، كن منطقيًا-.
فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فرجعت إلى أزواج النبي, فأخبرتهن بالذي قاله، وبالذي قال لها النبي صلى الله عليه وسلَّم، فقلن لها: ما نراكِ أغنيتِ عنا من شيء، فارجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم, فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة, فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا.
-النبي يتصرف بالعدل المطلق، بالعدل التام بين زوجاته, لكن أين قلبه يميل؟ هذه لا يملكها أحد.
ثم أرسلن زينب بنت جحشِ زوج النبي صلى الله عليه وسلَّم، وكانت تضاهي عائشة عند رسول الله في الحظوة والمنزلة، فتكلَّمت في ذلك, فلم تُجْدِ في كلامها شيئًا, ثم قال عليه الصلاة والسلام معلنًا مكانة زوجه عائشة:
(( إنها ابنة أبي بكر ) )
أرأيتم إلى هذا الوفاء؟ فالإنسان أحيانًا يتألَّم أشد الألم حينما يمحض كل إخلاصه، وكل حبه، وكل خدمته لإنسان, ثم ينسى له هذا الإنسان ذلك كله، أما النبي فهو أوفى الأوفياء، ما من إنسان أعطى النبي عليه الصلاة والسلام كل اهتمامه كسيدنا الصديق، وهذه ابنته، فلأنها بنت أبي بكر لها عند النبي حظوةٌ خاصَّة.
ما هو السبب الذي دفع ضرائر عائشة للغيرة منها, وهل كانت تغار عائشة منهن, وما هي العبرة من وجود مشكلات في بيت النبي؟