لكن الله عزَّ وجل ما كلَّفنا فوق ما نطيق، الإنسان صاحب الفطنة، وصاحب الأدب الجَم، وصاحب الخُلق الرفيع، هذا تميل إليه دون أن تشعر، هذه سنة الله في خلقه, جبلت النفوس على حب من أحسن إليها, وبغض من أساء إليها.
مثلًا: شخص دائمًا ينتقدك، يحاول أن يعارضك، يحاول أن يطعن في تصرفاتك، فهل ينتظر منك أن توده مودة عالية؟ بينما إنسان آخر أديب جدًا، لطيف جدًا، في خدمتك دائمًا، فشيء من طبيعة البشر أن تميل إلى هذا المحسن الأديب الذي يتحرَّى راحتك، والإنسان الثاني الذي يتهجَّم عليك, فنفسك تنفر منه بشكل طبيعي، لذلك فالنفس لها قوانين، أنت كإنسان مكلَّف أن تعدل العدل التام، أما العدل المطلق, فهذا لا تستطيعه لا أنت ولا غيرك، لأن النفوس جبلت على حب الكمال، على حب الجمال، على حب النوال.
الإنسان يحب الجمال, والكمال, والنوال، الذي يعطيك تحبه، والذي تراه كاملًا تحبه، والذي منحه الله شكلًا جميلًا تحبه.
فأحيانًا يكون شخص عنده ابن له تألُّق، تجد الأب يميل إليه أكثر من أخوته، لكنه مكلَّف أن يعطي أولاده بالسواء، مكلَّف أن يمنحهم العطف بالسواء، لأن هذا القلب بيد الله عزَّ وجل، وقد عبَّر عن ذلك النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ, فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ ) )
[أخرجه أبو داود عن السيدة عائشة في سننه]
أي بنيَّة! ألستِ تحبين ما أحب؟ قالت: بلا, قال: فأحبي هذه, -أي عائشة.
فأنا أقف عند هذه النقطة قليلًا؛ مثلًا: شاب له أب، هذا الشاب يتهجّم على أبيه، يبدو سوء أدب من هذا الشاب، ومحاسبة شديدة، وعدم احترام، وابن ثانٍ في غاية الأدب، والإخلاص، والاحترام، والتلبية، أينتظر الأول الأقل أدبًا، والأقل خدمةً من الأب, أن يحبه محبة رائعة؟ هذا الشيء مضحك، الأب إنسان ويميل إلى حيث يرى الفضل، والأدب، والعطف، والرحمة، والخدمة، فأنت لا تطالب الناس أن يحبوك محبةً لا تساوي عملك.