والعبد الفقير لما كنت في المدينة المنورة في إحدى العُمرات، وقفت قبالة مسجد قِباء، فهناك ميدان في وسطه نُصب تذكاري، مكتوب عليه: طلع البدر علينا، أيْ في هذا المكان, في مكان مسجد قباء، وقباء في ظاهر المدينة, خرج الأنصار من المدينة، ليستقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وفي هذا المكان بالذات أنشدوا: طلع البدر علينا, كأنني أسمع هذا النشيد لأول مرة، وله وقعٌ في هذا المكان لا يوصف، في المكان الذي وقف فيه الأنصار, ينتظرون النبي عليه الصلاة والسلام، وحينما أطل عليهم, قالوا:
طلع البدر علينا من ثنيِّات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
وفي الصحيحين: عن أبي بكرٍ رضي الله عنه في حديث الهجرة، قال:
(( وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق, وعلى البيوت، والغِلمان, والخدم, يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله، وكان الأنصار قد اجتمعوا, فمشوا حول ناقته صلى الله عليه وسلَّم، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شُحًَّا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيمًا له، وكلَّما مرَّ بدارٍ من دور الأنصار, دعوه إلى المنزل، فيقول عليه الصلاة والسلام: دعوها فإنها مأمورة, فإنما أنزل حيث أنزلني الله, ونزلت في بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ) )
ولقد كنت في تركيا قبل سنة تقريبًا، وصلَّيت الجمعة في مسجد أبي أيوب الأنصاري في مدينة استانبول، هذا الصحابي الجليل أين مات؟ مات في أقصى الشمال، وله مسجدٌ والله منوَّر, تشعر فيه بروحانية عجيبة، فلما انتهت الصلاة, زرت مقام هذا الصحابي الجليل وقرأت الفاتحة، وتأثرت تأثرًا كبيرًا، ولكن الذي أدهشني أن كل زوَّار المقام, حينما يخرجون من هذا المقام, لا يديرون ظهورهم إليه، تأدُّبًا معه، فهذا الصحابي الجليل الذي أكرمه الله بأن يكون مُضيف النبي عليه الصلاة والسلام، له قصصٌ رائعةٌ جدًا.