المعنى حينئذ لا تمنع الوالدة من حقها في إرضاع ولدها، فيجيبهم الجمهور بأن الاحتمال الأول أقوى وأحكم لأن الخطاب فيه يتعلق بمعيّن وفي الاحتمال الثاني يتعلق بمبهم والمتوجه عليه الأمر والنهي من شرطه أن يكون معيّنًا لا مبهمًا.
النوع الثالث احتمال اللفظ المفرد لمعنيين تبعًا لصورته، ومثاله احتجاج فقهائنا على منع بيع ذهب وعَرَض بذهب بحديث فَضالة بن عُبيد قال: (( اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصّلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( لا تباع حتى تُفصّل ) ) [1] ، فنهى عن البيع مجملًا وأمر بالتفصيل بين الذهب والخرز فدل ذلك على عدم جواز بيع ذهب وعَرض بذهب، فيقول فقهاء الحنفية قد ورد هذا الحديث في رواية أخرى حتى تفضُل بالضاد المعجمة المخففة أي حتى يكون في الذهب الذي اشتريت به فضل على مقدار الذهب المضاف إلى الخرز ولما كانت المسألة واحدة علمنا أن اللفظين معًا
لم يتلفظ بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - لاختلاف حروفهما وتنافي معنييهما وأن اللفظ الذي نطق به - صلى الله عليه وسلم - متردد بينهما فلا يصح الاحتجاج به، فيجيبهم فقهاؤنا بأن رواية الصاد المهملة أصح عند المحدثين ويعضدها ما رواه أبو داود من طريق آخر أنه قال: (( لا حتى تميز بينهما ) )فيجب أن تكون إحدى الروايتين مفسرة للأخرى وبذلك يزول الاحتمال.
النوع الرابع احتمال اللفظ المركب لمعنيين لاشتراكه بينهما، ومثاله احتجاج فقهائنا على أن لأب الزوجة أن يسقط نصف الصداق المفروض على الزوج إذا طلقها قبل المسيس بقوله تعالى: (( أو يعفوَ الذي بيده عقدة النكاح ) )لأنه هو الذي بيده عقدة النكاح في ابنته، فيقول الحنفية والشافعية هذا اللفظ
(1) حديث فَضالة بن عبيد أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.