وأصل الحديث عند البخاري وأخرجه أحمد من طريق ابن إسحق، ومن حديث عبد الله ابن عباس -رضي الله عنهما وأرضاهما-؛ وفي هذا الحديث أن العباس -رضي الله عنه- عمّ النبي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا) ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فالله يجزيك، فافد نفسك وابني أخويك: ... ) [1] .
فذكر له النبي - صلى الله عليه وسلم: أما سريرتك فإلى الله تعالى وأما علانيتك فإلينا، فأمر العلانية أمر يمكن الحكم به، لأنه أمر ظاهر بخلاف أمر السرائر، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث الجيش السابق:"وإذا كان الله تعالى وهو العليم بذات الصدور غيرُ عاملٍ بذلك، فكيف يُطالبُ المسلم وهو غير قادر على التمييز بينهم أن يفعل ذلك؟ هذا لا قِبَل ولا قدرة لأحد من البشر به".
ولذلك قلتُ: جاءت الشريعة بالتشديد في هذ المسألة؛ بالتشديد في وجوبِ مفارقة المسلم لطائفة الكفر، وأنّه لو بقي مُقيمًا بين أظهرها مُعينًا لها مناصرًا لها فحكمه حكمها، هذا هو الأصل -كما قلت سابقًا- أنّ حكم المعين هو حكم الطائفة أو أنّ حكم الطائفة ينسحب على الأعيان، نعم قد يمنع من ذلك مانع كهذا الذي ذكرت فيما سبق؛ وهو أن يحصل الخلط بسبب كثرة الجهل وانتشاره وعدم وجود من يدعو هذه الأمة وأفرادها إلى التمايز بين طائفة الحق وطائفة الباطل، وإلا فالأصل انسحاب حكم الطائفة على حكم الأعيان.
نعم بعض الفرق من هذه الطوائف كالجيش والشرطة وأجهزة المخابرات وغيرها هي أشد في الحكم من بعضها، وإلا فحينما نقول:"الدولة"فما هي الدولة؟
نحن قلنا سابقًا أنه لو وُجدت دار الإسلام التي تفارق دار الكفر لوجب على المسلم أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، ولكن لما عُدم وجود دار الإسلام فالطائفة التي تقوم بتبديل الشرع والدين في ديار أهل الإسلام هي الدولة.
(1) مستدرك الحاكم (5409) ، السنن الكبرى للبيهقي (12849) ، وقال الذهبي: (على شرط مسلم) ، وقد ذكرنا نص الحديث لا نص كلام الشيخ.