العظيم في الدين وعلى هذه الآيات المحكمة البيّنة؛ أوردوا عليه ما يَرُدّونَ به هذا الذي ذكرناه وبيّناه، من الشبهات المتكاثرة.
ولا أعلم -والله تعالى أعلم- مقامًا من المقامات التي قرّرها الله -سبحانه وتعالى- وبيّن في كتابه أنها من أصول الدين والتوحيد، ثمّ أُوردت عليه من الشبهات الداحضة لدفعه وإبطاله كما أورد في هذا المقام؛ وهو مقام إثبات حقّ التشريع لله -سبحانه وتعالى- وحده، أو ما انتشر ذِكره بين المتأخرين وعُرف بـ (توحيد الحاكمية) [1] ؛ أي: أنّ من له حقّ الحكم من التحريم والأمر والنهي هو ربنا وحده لا شريك له.
أقول أورد القوم على ذلك من الشبهات ما يحتاج إلى بيان بعضه وذلك لشدّة تعلّقه بمقامنا. فمن هذه الشبهات التي أوردوها على هذا المقام هو أنّها قالوا: إنّ ما ذكرتم من الآيات الدالة على أنّ الحاكم المبدّل لشرع الله كافرٌ إنّما هي مرتبطة بالكفر الاعتقادي، فالحاكم لا يكفر ولا يخرج من الملة إلا إذا كان معتقدًا لهذا الحكم؛ أي إن كان يعتقد أن هذا الحكم هو أفضل من حكم الله -سبحانه وتعالى- أو هو أحسن منه، أو أن حكم الله -عز وجل- لا يصلح لفضِّ الخصومات والنزاعات ولا يصلح لتحاكم الناس إليه في فروجهم ودمائهم وأعراضهم وأموالهم وغير ذلك؛ قالوا هذا هو الكافر الخارج من الدين، وغير ذلك إن كان لا يعتقد فلا.
نقول هذا قول باطل، وبيان ذلك من وجوه:
أولًا: ينبغي أن تعلم أمرًا مُهمًا هاهنا، وهو أنّه ممّا أورده أصحاب هذه الشبهة على هذا المقام -وهو مقام الحكم بغير ما أنزل الله-؛ قول القائل منهم:"ما تقولون في الرجل الذي يذنب ذنبًا؟"كقولهم مثلًا:"ما تقولون في السارق؟"وجواب أهل السنة أن السرقة محرمةٌ وهي كبيرة من الكبائر.
(1) بداية الملف الثالث.