وإن كان إنّما عنى بذلك الجماعة وحدها -ولا أظنه قد عنى ذلك- فعلامَ عمَّم القول على الوجه الذي مضى وشرحته فيما سبق؟ وهو من أعظم الوجوه وأشدها خطرًا، وقد بيَّنتُ لك ما يترتب على هذا التعميم من التلبيس والتخليط وتلبيس الحق بالباطل الذي نهى الله -تبارك وتعالى- عنه.
ثم أقول كان مما ينبغي أن يذكر الصفات التي ذكرها أهل العلم -رحمهم الله- والمسائل التي ذكروها ممّا يذهب إليه الخوارج ويقولونه، وأن يُفصِّل في ذلك، ثم يُعقِّب بعد ذلك ببيان الفِرَق التي وافق صنيعها صنيع الخوارج الأول، والفِرَق التي خالف صنيعها صنيعهم، وأن يُبين ويُفصّل بين ما هو من أقوال الخوارج في حقيقته وبين ما هو موافق لكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة.
فما هو وجه الإعراض عن ذِكر ذلك وهو أصل البيان وأصل الحق الذي كان ينبغي بيانه في هذا المقام؟
لماذا أعرض عن هذا إلى التَّشنيع بعد ذلك على مسائل لا قيمة لها في الرد والجواب؟ وعدل عنها إلى التشنيع على كل مخالف له؟
هذا هو الذي يقتضيه حديثه وكلامه، وليته شنّع بمسائل من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لكنه انتقل مما كان يجب على مثله وهو ينتسب إلى أهل العلم -غفر الله لنا وله- إلى التشنيع على كل من خالفه بتسميته من الغلاة أولًا، ثم بالغمز واللمز ثانية، كما سأحكي عبارته بالحرف الواحد -إن شاء الله تعالى- إما في درسنا هذا أو في الدرس القادم -إن شاء الله تعالى-.
أقول بعد هذه المقدمة التي ذكرتها، وهي على طولها إلا أنني أظنّها قد كانت مقدمة هامة جدًا؛ لأنها بيَّنت موضِع اللبس والإشكال. أقول بعد ذلك لسنا نبتغي من وراء هذا الرد والبيان إلّا أن نفصّل ونميّز بين الحق والباطل، وأن نُحذّر من إبطال الحق بتلبيس أهل الباطل بالحق، وأن نُحذّر الأمّة من الوقوع في الباطل ومن مخالفة