فذكرت حالة أولى وهي حالة المفارقة الحسيّة، وقلت أنها هي الحال التي يكون لأهل الإسلام فيها دار للإسلام ويكون لأهل الكفر دار للكفر، فالواجب على المسلم أن يفارق دار الكفر إلى دار الإسلام؛ فإنه إن أقام بين أظهُر الكفار كان حكمه حينذاك حكمهم. وقلت أن هذه الحالة هي أسهل الحالات التي يتمّ فيها تنزيل الأحكام، ولأجل ذلك قطع كثير من الأئمة بكفر المسلم الذي يُقيم بين ظهراني المشركين مع قدرته على المفارقة والخروج من بين ظهرانيهم.
وكان الواجب عليه وعلى كل من ينتسب إلى العلم والدين أن يُبيِّن كل حكمٍ يذكره في أمر من الأمور أو في مسألة من المسائل بدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، نسأل الله -تبارك وتعالى- لنا وله وللمسلمين الهداية والتوفيق.
أقول بعد ذلك؛ اعلم انّ النزاع قد وقع في تكفير أعيان الطوائف التي تناصر هؤلاء الحكام المبدلين لدين الله -تبارك وتعالى- ولشريعته، وأنا هاهنا -إن شاء الله تعالى- أقرِّر لك مسألة مهمة جدًا وأذكر عليها الدليل من كتاب الله -تبارك وتعالى- ومن سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وكذلك من إجماع صحابة نبينا - صلى الله عليه وسلم -؛ وهي أنّه قد دلّ الكتاب والسنّة أنّ الواحد يعامل معاملة الطائفة في الأصل، إلا إذا منع من ذلك مانعٌ أو وُجد عارضٌ يمنعُ من انسحاب حكم الطائفة على المعيَّن، وإلا فالأصل أن الفرد له حكمُ الطائفة.
ولذلك قلت لكم وردت كثير من الأحاديث والآيات التي تحذّر المسلم من مخالطة طوائف الكفر والضلال، وذلك حتى لا يكون حكمه حكمهم.
فمن ذلك مثلًا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهو عندهما من حديث عائشة ومن حديث أم سلمة وكذلك من حديث حفصة -رضي الله عنهن وأرضاهن- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر قصة الجيش الذي يغزو الكعبة، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بأولهم