لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ؛ أي ليوافقوا عدة الأشهر التي حرمها الله، {فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [1] .
فذمّ الله -تبارك وتعالى- هؤلاء المشركين على ما كانوا يفعلونه من التقديم والتأخير وتحليل ما حرّم الله وتحريم ما حرّم الله بهذا الفعل، وإنّما حكى الله -تبارك وتعالى- فعلهم وأنهم كانوا يفعلون ذلك بآرائهم الفاسدة فيغيّرون أحكام الله -تبارك وتعالى-.
وهذا هو عين ما يفعله طواغيت بلادنا وزماننا، الذي اعتَلَوا رقاب المسلمين فأحلُّوا ما حرّم الله وحرّموا ما أحلّ الله، وذلك باستيراد التشريعات والقوانين التي اصطلح عليها البشرُ من وضع آرائهم ومن صنيع أفكارهم ليتحاكم الناس إليها، فهذا قال ربنا -عزّ وجل- عنه: {زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} ، نسألُ الله -تبارك وتعالى- السلامة والعافية.
وإنّما احتجنا إلى الإطالة في هذا المقام وإلى مزيد الحديث عنه لما يترتب عليه من أحكام سنشرع -إن شاء الله تبارك وتعالى- في بيانها، ولهذا المقام -أعني إثبات أن مقام التشريع هو حقٌ لله تبارك وتعالى وحده لا شريك له-؛ آيات الكتاب كثيرة تدلُّ عليه، وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى في ثنايا حديثنا من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يُدلّل عليه.
أقول إذا علمت يا عبد الله أنّ الحاكم المبدّل لشريعة الله -تبارك وتعالى- قد جعل نفسه لله -عز وجل- ندًا وشريكًا فاعلم أنه يترتب على هذا القول وعلى هذا الحكم أحكامٌ تجبُ على المسلم، ولا بد أن يأخذ المسلمُ بها وإلا كان عاصيًا آثمًا، ولا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها.
وهذ الأمر الذي ذكرنها؛ وإن كان هو -بحمد الله تبارك وتعالى- من المحلّ البيِّن في كتابه وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ما هو من المحكم من الكتاب والسنة؛ إلّا أنه ومع ذلك قد أقام عليه القوم بخَيْلِهم ورَجْلِهم وأَوْرَدُوا على هذا الأصل
(1) سورة التوبة، الآية: 37.