فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 141

أمّا اشتراط الاعتقاد القلبي؛ فالكفر بالاعتقاد القلبي هو شيءٌ آخر مغايرٌ للكفر العمليّ، أي مغايرٌ للكفر المُخرجُ من الملة بالعمل، ولذلك قلَّما تجدُ في الحقيقة من يكفر معتقدًا بقلبه، هذا قليل؛ أي من يعتقد اعتقادًا حقيقيًا في قرارة قلبه. حتى الملحدُ الشيوعيُّ الذي يصرّحُ بأنّه لا يوجد للكون خالقٌ لو نظرتَ إلى حقيقة ما في قلبه فقد يكون معتقدًا في حقيقة قلبه أنّ للكون خالقٌ ومصرفٌ وإن كان هو يخالفهُ بقوله ولسانه، ولذلك أشار الحافظ ابن حجر -رحمه الله- لهذا الباب فقال:"إن الكفر الاعتقادي بمعنى ما وقر في القلب هذا قليلُ الوجود بين الناس".

ولهذا بيَّن -سبحانه وتعالى- أنّ أكثر كُفر المشركين الذي كفروا بالرسل وبما أُرسل به أنبيائهم -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-؛ إنّما كان من باب الإعراض كما قال -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [1] .

وعلى كل حال فهذا المقام مقامُ بحث وتطويل، ولكنّنا أشرنا إليه هاهنا إشارة تكفي هذا المقام إن شاء الله تعالى، ولعلّنا نزيده بيانًا في محل آخر يقتضيه -إن شاء الله تعالى-.

الشبهة الثانية: الاستدلال بقصة يوسف - عليه السلام- على أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس بكفر أكبر:

ومما ذكره هؤلاء القوم من الاعتراض على القول بأنّ الحاكم المبدّل لشريعة الله -سبحانه وتعالى- كافرٌ مرتدُ خارجُ عن ملة الإسلام؛ ما شنّع به بعضهم ففضح نفسه؛ إذ قال: إنّ يوسف -عليه السلام- قد حكم بغير شريعة الرحمن ومع ذلك لم يقل الله -تبارك وتعالى- فيه شيئًا ولم يحكم على فعله ذلك بكفر أو نحوه. وقد أجبتُ عن ذلك مرارًا في مواضع مختلفة ومتكرّرة -بحمد الله تعالى- ولكنّني هاهنا أُعيده لما يقتضيه مقام التفصيل والبيان.

وأقول مرة ثانية: إنما نطيل في تفصيل هذه المسائل لما يترتبُ عليها من أحكامٍ عملية؛ وهي أن الحاكم المبدل لشريعة الله يجب على الأمة قتاله، وقتال هذا الحاكم وقتال طائفته ووزرائه وجنده ومساعديه ومن كثّر سواده

(1) سورة النمل، الآية: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت