فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 141

وهذا لا مفرّ لهم منه، وهو مبيِّنٌ -بحمد الله تبارك وتعالى- بطلان ما ذهبوا إليه في ذلك.

وقد بيّن أهل العلم -رحمهم الله- في موضع كثيرة من كتاباتهم أنّ الكفر العمليّ منه ما هو مُخرجٌ من الدين والملة، ومنه ما لا يُخرج صاحبه من الإسلام، كما أنّ القول منه ما هو كفرٌ مخرجٌ من الدين والإسلام كسبّ الله وسبّ رسوله، ومنه ما لا يُخرج صاحبه من الدين والإسلام.

فإذًا فرقٌ بين قولنا أن الكفر العملي -على الإطلاق- لا يخرجُ من الدين، وبين ما قاله أهل السنة -رحمهم الله- من أنّ الكفر العمليَّ منه ما يخرجُ من الدين ومنه ما لا يخرجُ منه.

وأما قول هؤلاء المتأخرين بأنّ الكفر العمليّ لا يخرج من الدين بالكليّة فهذا قولٌ باطلٌ مردود، إذ أنّ ما ذكر الله -تبارك وتعالى- في كتابه أنه كفرٌ أكبر فالأصلُ الحكم على فاعله بالكفر حتى يدلّ الدليل على خلاف ذلك.

ثم قولهم:"إنّ الدليل على اعتقاد ما في القلب هو اللسان". هذا قولٌ باطل؛ لأننا نقول إن كان قول اللسان هو غير ما في القلب؛ أي لو قال الحاكم بغير ما أنزل الله:"أنا أعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله حلال"، وقلنا أنّ قوله مخالف لاعتقاده، وهذا هو الصواب والصحيح، فما الذي يمنع من أن يكون الحاكم لا يعتقد بقوله هذا الذي قاله؟

هو قال أنا أعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله حلال، فما الذي يمنع أن يكون هذا الحاكم لا يعتقدُ بهذا القولِ الذي صرّحَ بهِ وقاله، فهذا القول يحتاج إلى اعتقاد، وذاك الاعتقاد يحتاج إلى تصريح بالقول، وهكذا سيتسلسلُ الأمر إلى ما لا نهاية وهو يقتضي البطلان، والحمد لله ربّ العالمين.

ولذلك نقول إن اشتراطهم في الحاكم المُبدّل لشريعة الله أن يكون مُعتقدًا بكون الحكم بغير ما أنزل الله تعالى حلالًا فهذا شرطٌ باطل، بل إنّ قوله -عزّ وجل-: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [1] ، وغيرها من الآيات التي دلّت على أن مدار الكفر والحكم على فاعله بالكفر هو ذلك الفعل الذي فعله وارتكبه؛ هذه آياتٌ كافيةٌ في الدلالة على هذا الذي ذكرناه.

(1) سورة المائدة، الآية: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت