فاعله كافرٌ كفرًا أكبر حتى يستحلّ بقلبه"، فهذا الشرط باطلٌ مردود لا دليل عليه في كتاب الله ولا في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -."
بل نقول: الاستحلال القلبي ليس مرتبطًا بهذه الأفعال التي جاء النص من الكتاب والسنة على أنّها كفر مخرجٌ من الملة، بل لو أن رجلًا حرَّم ما هو أدنى من ذلك؛ حرّم شيئًا أباحه الله -سبحانه وتعالى-، أو أن رجلًا استحلّ صغيرة من الصغائر وهو يعلم أن الشرع قد حرّمها؛ فإنّه حين ذلك يكفر ويخرج من الملة، فالاستحلال القلبي والاعتقاد بالكفر ليس مُرتبطًا بما اتَّفق أهل العلم -رحمهم الله- على أن الله -تبارك وتعالى- قد قال فيه في الكتاب أن فاعله كافرٌ مرتدٌ عن الإسلام.
فلا يقال فيمن سبّ الله ورسوله لا يكفر حتى يعتقد أن سبّ الله ورسوله حلالٌ في الدين، أو حتى يعتقد حِلّه، ولا يُشْتَرَط في القول بأن من استحلّ الربا أو استحلّ الخمر وجعله شرعًا متبعًا بين الناس؛ لا يُقال فيه يشترط أن يعتقده ويستحلّه.
والعجب فيمن اشترط ذلك أنهم لمّا قيل لهم فما هو الدليل على استحلاله؟ قالوا:"أن يُصرّح بلسانه بأنّه يعتقد حِلّ هذا الذي حرّمه الله -تبارك وتعالى-"، وهاهنا يُعرض عليهما سؤالان ولا مفرّ لهم منها:
وهو أن يقال أولًا: إن قلتم أنّ التلفُّظَ باللسان دليلٌ على اعتقاد القلب؛ فهل قولُ اللسان هو عين ما في القلب أو مغاير له ودليل عليه؟
فإن قالوا إن قول اللسان هو عين الاعتقاد وما في القلب فقد جاؤوا قولًا وزورًا وبهتانًا لم يسبقهم إليه أحد؛ إذ قالوا أن قول الرجل بلسانه:"أنا أعتقد أن الربا وأن الزنا حلالٌ"، فنقول لهم: هل هذا الكلام عين ما في القلب أو مخالفُ له؟
فإن قالوا هو عين الاعتقاد الذي في القلب؛ فقد قالوا قولًا ما سبقهم إليه من أحد، وإن قالوا: إنّما هو دليل عليه، قلنا له: فما الذي جعل قول اللسان دليلًا على ما في القلب ولم يجعل الفعل الذي نصّ الله -تبارك وتعالى- أنه كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة؛ لم يجعله دليلًا على ما في القلب؟!