فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 141

أقول حرّم الله -تبارك وتعالى- أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم، فكان المشركون من كفار مكة إذا أرادوا أن يقتتلوا مع عدوٍ لهم ودخلت الأشهر الحرم يتوقَّفون عن القتال لأنّهم كانوا يُعظّمونها، ولكنهم بعد ذلك رأوا أنّ الأشهر الحرم تمنعهم من قتال عدوهم؛ فكانوا إذا لم يتمّ القتال في وقت دخول الأشهر الحرم أرسلوا رجلًا ينادي في الناس بالموسم سنُؤخر الأشهر الحرم شهرًا أو يُقدمها بحسب وقت قتالهم لعدوهم، لأنّهم يريدون أن يُتمّوا القتال، فيقولون مثلًا:"هذا العام قد حرّمنا صفرًا"أي مكان الشهر المحرم لأن المحرم من الأشهر الحرم، الأشهر الحرم أربعة؛ ثلاث متتابعة وهي ذو القعدة وذي الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب.

فكانوا إذا استمرّ القتال وجاءت الأشهر الحرم أخّروا شهرًا فيصيح صائحهم في الموسم:"ألا سأقول قولًا وأنا الذي لا يرد قولي، وقولي فصلٌ لا أراجع فيه"، ثم يقول:"أخّرنا المحرّم إلى صفر، والمحرّم هو شهر الحِلّ".

فإذا جاء العام القادم وكان الأمر على خلاف العام الأول؛ فلا مانع عندهم في أن يُرْجِعُوا الأمر إلى ما كان عليه ثمّ ينادي مناديهم في موسم الحج فيقول:"ألا قد قدَّمنا المحرم وأخرنا صفر"؛ أي جعلنا المحرم هو الحرام.

فكانوا يفعلون ذلك كما قال الله -عز وجل- {لِيُوَاطِئْوُا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ} ؛ أي هم التزموا أنّ الأشهر الأربعة هي الأشهر الحرم، التزموا بكونها أربعة وهو قول الله -عز وجل-: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} ؛ ولكنهم أرادوا أن يُغيِّرُوا الوقت فقط، أي بدل أن تكون الأشهر هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وهي الأشهر التي حرّمها الله -عزّ وجل-؛ أرادوا أن يجعلوا ذا القعدة وذا الحجة وصفرًا مكان المحرم، فأخّروا الشهر الحرام إلى الشهر الذي يليه، ولماذا أخّروه شهرًا ولم يلغوه بالكليّة؟ أرادوا أن يُوافقوا عِدَّة الأشهر التي حرَّمها الله -عز وجل-، فقالوا:"الله -تبارك وتعالى- حرّم علينا أربعة أشهر فنحن سنُحرِّم أربعة أشهر أيضًا، إلا أنّ الذي نفعله فقط هو أن نغير وقت هذه الأشهر، فإمّا أن نقدّم شهرًا وإمّا أن نؤخّره"بحسب حاجتهم لقتال عدّوهم.

فقال الله -تبارك وتعالى-: {إنّما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} فجمعوا بين كفرين، الكفر الأول أنهم استباحوا القتال في الأشهر الحرم، والكفر الثاني أنهم قد غيّروا وقت هذا الحكم الذي جعل الله له زمنًا إلى وقت آخر وإلى حال آخر، فقال الله -عز وجل-: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت