وقال في موضع آخر: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [1] ، فبيّن -عز وجل- أن القول بالتحليل والتحريم على خلاف ما حلَّل الله وحرَّم؛ أنه من افتراء الكذب على الله وأن فاعل ذلك كافرٌ خارجٌ عن ملة الإسلام.
فقل لي بربّك بعد ذلك عندما يكون حاكمٌ أو سلطان فيجبرُ الناس على التحاكم إلى شرعِ مخالف لشرع الله، فإذا ما وقع بينهم الخلاف في أمر ما وتحاكموا إليه؛ فبدل أن يرجع في إصدار حكمه إلى كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - رجل إلى القانون والتشريع والقانون ليحكم به بين الناس؛ فقل لي بربّك ما شأن هذا الحاكم؟ أليس هذا هو من أعظم افتراء الكذب على الله -تبارك وتعالى-؟ نسأل الله -عز وجل- السلامة والعافية.
ومما يدل على ما ذكرناه دلالة واضح قوله -عز وجل- في سورة التوبة بعد أن ذكر: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ} [2] ؛ ثم قال الله -عزّ وجل- بعد ذلك مُنكرًا على كُفَّارِ العرب فعلهم: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [3]
أولًا ما معنى النسيء؟
النسيء مأخوذ من الزيادة والتأخير والتأجيل، يُقال:"نسأ الرجل كذا"إذا أجّله وأخّره، ومنه ما يُعرف عند الفقهاء بربا النسيئة وهو الذي دخل في الأجل، فالنسيئة هي التأجيل والتأخير. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن ينسأ له في أجله، ويبسط له في رزقه، فليصل رحمه) [4] أي يبقى له ذِكرٌ بعد انقضاء أجله.
(1) سورة يونس، الآيات: 169 - 170.
(2) سورة التوبة، الآية: 36.
(3) سورة التوبة، الآية: 37.
(4) صحيح ابن حبّان (438) وصحّحه الألباني وشعيب الأرنؤوط.